رحلة هروب المدنيين من دير الزور

يعمد تنظيم الدولة الإسلامية منذ استقر في المدن السورية على تغييب الملامح بين ما هو مدني وما هو عسكري متخذاً من التجمعات المدنية دروعاً بشرية ومكاناً للاحتماء بها والاختباء فيها . كما ويمارس التنظيم كل ما بوسعه لمنع خروج هؤلاء المدنيين من مناطق سيطرته.
كان للكثير من المدنيين في سوريا عموماً ودير الزور خصوصاً رحلة طويلة بحثاً عن مناطق آمنة تحميهم من ما يحيط بهم من تهديدات بدءا من عناصر التنظيم وانتهاء بالقصف المتعدد الأطراف على كل أنحاء محافظة دير الزور.

معاناة المدنيين المختلفة في كل وجهة نزوح

الوجهة الأولى – السويداء أقصى الجنوب السوري
يتجه بعض المدنيين إلى دمشق لوجود أقارب لهم هنالك أو لاستئناف أعمالهم في القطاع الحكومي. فيما أفاد مصدر خاص لمرصد العدالة من أجل الحياة في دير الزور، بأن عناصر من أجهزة الأمن السوري، تحتجز العوائل القادمة من دير الزور والمتجهة نحو دمشق، داخل معسكر الطلائع في محافظة السويداء.
وأضاف: “إن المعسكر شبيه بالمعتقل، حيث لا يسمح لعشرات العوائل المحتجزة بالخروج، ولا يؤمن عناصر الأمن الغذاء والدواء لهم، بل على العكس يبيعون الطعام للمحتجزين بأسعار باهظة جداً”.

الوجهة الثانية – الحسكة
الوجهة الشرقية للهاربين من دير الزور هي المحافظة الحسكة المجاورة، على الرغم من الألغام التي زرعها التنظيم، لمنع هروب المدنيين من مناطق سيطرته أو لإحباط تقدم وحدات حماية الشعب.

وجهتا الشمال السوري – إلى إدلب وتركيا
“هويات جيرانّا” هي من أخرجتنا من دير الزور
يمنع التنظيم خروج النساء من مناطق سيطرته، دون وجود محرم مرافق للمرأة. تقول (ح و) وهي فتاة من دير الزور تصف لنا رحلة الهروب من مناطق “الدولة الإسلامية” في أواخر العام 2015 دون وجود محرم معها: “كنا عائلة مكونة من 5 أشخاص أنا وأمي وأخواتي الثلاثة، الوالد وأخي كانا قد هربا منذ مدة، حين وصلهما خبر من أحد عناصر التنظيم من أبناء مدينتنا الميادين بأن عليهما أن يغادرا بسرعة لأن اسمهما صارا يترددان في التحقيقات مع المعتقلين الحاليين لدى التنظيم. تتابع (ح و):” بدت عملية الهروب دون وجود محرم أمراً مستحيلاً بالنسبة إلينا، حتى ساعدنا سائق سيارة كبيرة وأمّن لنا بطاقات الشخصية، لنحملها معنا في رحلة سفر عائلية إلى الرقة، وهذا ما طلبه منا أن نخبر به عناصر التنظيم حين يسألوننا على حواجز التفتيش”.

وتضيف (ح و):”بعد ارتداء النقاب والدرع الداعشي، تحركنا من الميادين ظهراً متجهين نحو الرقة ثم إلى منبج ، كان هذا الوقت الأنسب للانطلاق للوصول مع حلول الليل إلى مناطق الجيش الحر بإدلب، كما أخبرنا سائق الحافلة -والدنا الجديد على الهويّة-.
كان أصعب الحواجز هو حاجز معدان، الذي دقق جيداً بالبطاقات الشخصية وقرأها جميعها، أخبره السائق: “إن هذه عائلته وأننا ذاهبون للقيام بواجب عزاء لعمنا في منبج”.

وتتابع قائلة: “بعدها بدت الرحلة عادية لحين الوصول لمنطقة إحرص وهي النقطة الفاصلة بين مناطق الدولة ومناطق الجيش الحر، كنا منهكين من التعب بعد أكثر من 10 ساعات سفر. علمنا حينها أنه يتوجب علينا العبور مشياً لمدة ساعتين-على رؤوس الأصابع إن استطعنا- للحيلولة دون إصدار أي صوت يكشف أمرنا… كانت ساعات صعبة جداً، بدأنا المسير حوالي الساعة 3 فجراً، إحدى العوائل التي كانت تهرب معنا أضاعت أحد أطفالها خلال الرحلة التي استغرقت أكثر من ثلاث ساعات. كانت مناطق العبور وعرة جداً فكنا نستريح كل ساعة تقريباً لمدة 10 دقائق، ثم ننهض لنتابع المسير.. علمنا بعدها أن الجميع كان يهرب بهذا الوقت الذي يبدّل فيه عناصر داعش نوبات الحرس وقت صلاة الفجر.
بعد وصولنا (إحرص) بسلام سمعنا خلفنا صوت انفجار، علمنا في اليوم التالي أنه كان لغماً أرضياً، انفجر بعائلة لم تسلك الطريق الذي سلكناه، حينها أيقنا أن داعش زرع المنطقة بالألغام لمنع هروب المدنيين من مناطقه، تلك المعلومة التي كنا نحاول جاهدين إقناع أنفسنا في كل خطوة نخطيها بأنها كذبة ولا وجود للألغام هنا، كنوعٍ من التغلب الذاتي عن رعب الموت بانفجار لغم أرضي”

وتختم (ح و) كلامها: “كانت فرحة لا توصف حين رأينا حواجز الجيش الحر، ولم يعد هنالك شيء اسمه داعش ولا نقاب أو درع، تابعنا الرحلة بعدها ووصلنا لوجهتنا النهائية مدينة سلقين بعد رحلة مرعبة استغرقت 24 ساعة”.

أما عن مفاضلة البقاء في ريف إدلب أو التوجه نحو تركيا يقول محمد من دير الزور معلم لغة عربية مقيم في الدانا: “في الحقيقة الوضع أفضل من مناطق داعش بالتأكيد من ناحية المضايقات، التي يقوم بها داعش تجاه المدنيين على أسخف الأشياء كالذقن والبنطال، أسوأ ما في الأمر هنا في إدلب أنه لا توجد فرص عمل إطلاقاً، لكن الناس تفضّل المكوث هنا على تركيا لانخفاض التكاليف، فالعائلة التي تنفق 700 دولار بتركيا، من الممكن أن تعيش هنا بـ200 دولار، لقد ساعدنا كثير من الناس من أهالي الدير هنا عند وصولنا كلاً على قدر استطاعته، ويقيم بعض الشبان الناشطين حملات تبرعات من الميسورين من أهالي المنطقة الشرقية في الخليج وفي تركيا وإرسالها للعوائل الأكثر احتياجاً”.

عقوبة إخراج المدنيين إلى “ديار الكفر”:
في أدبيات تنظيم الدولة تُعد بلاد الكفر هي كل أرض خارجة عن سيطرته، حتى وإن كان يفصل بينهما شارع أو بناية واحدة، كما هو الحال بمدينة دير الزور، حيث تُقصف أحياء الجورة والقصور الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية، بشكل شبه يومي بقذائف الهاون من الأحياء المجاورة التي يسيطر عليها التنظيم، ويعد إخراج المدنيين خارج مناطق سيطرة التنظيم، جريمة كبيرة يعاقب عليها التنظيم بالإعدام والتشهير بالجثة بسبب خوفه من تسرب المدنيين من تلك المناطق، فلا قيمة لتلك الأراضي الشاسعة التي يسيطر عليها التنظيم شرق سوريا دون وجود سكانٍ يفرض عليهم الأتاوَى والقوانين الصارمة.

ففي منتصف شهر أيلول/سبتمبر 2014 نشر المكتب الإعلامي لـ”ولاية الفرات”، والتي تشمل مدينتي البوكمال شرق سوريا، والقائم العراقية، صوراً تظهر إعدامه أشخاصاً رمياً بالرصاص، وجثثاً مصلوبة أمام المارة، وعلق التنظيم على جسد من تم إعدامهم، ورقة كُتب عليها: «الحكم، القتل تعزيراً بسبب إصراره على تهريب العوائل إلى ديار الكفر».

ماذا يقول عناصر التنظيم الهاربين؟
استطعنا الوصول لمحمد الحسن /اسم مستعار/، وهو عنصر سابق في التنظيم فرَّ نحو الشمال السوري، بعد أن بقي لأكثر من عام في صفوف التنظيم في دير الزور، يقول محمد: “حالي كحال شباب ريف ديرالزور الذين أجبروا على بيعة التنظيم، حين دخوله للبقاء على قيد الحياة، بعد دورتين استتابة امتدت الثانية قرابة 40 يوماً، باشرت العمل في ديوان الحسبة لعدة أيام، ثم تم نقلي للقتال إلى جبهة مطار دير الزور العسكري”.
يعزو محمد أسباب الانضمام إلى التنظيم لتأمين لقمة العيش وعدم القدرة على المغادرة، أما العدد الأقل -كما يقول محمد- ممن انضموا للتنظيم كانوا يحاولون الضرب بسيف الدولة على حد وصفه للانتقام ممن لهم مشاكل وثارات سابقة معهم.

“كلهم عوام ياشيخ ماحدا استشهد من الأخوة..”
حين سألناه عن السبب المباشر لتركه التنظيم واتخاذ قرار بالفرار، يقول محمد:

“في أواخر شهر أيلول/سبتمبر 2015  ، قصف الطيران الحربي وسط السوق المقبي في مدينة الميادين وقت الظهيرة حيث ذروة الازدحام، وصلنا للمنطقة، كانت مجزرة حقيقية، الأشلاء تملأ المكان، كلهم من المدنيين من التجار، أصحاب المحلات هنالك أو من المارّة، أسعفنا من كنا نشاهده من الجرحى على قيد الحياة”.
يتابع محمد: “ربما (أنستني) الأيام تلك المشاهد، لكني لم أنسى حتى اليوم كلمات أبو زيد التونسي أمير الحسبة، كان يرددُ مجيباً أحد العناصر على قبضة الجهاز اللاسلكي، بنبرة تملؤها الفرحة وعدم الاكتراث بمن قتل وأصيب”كلهم عوام ياشيخ ماحدا استشهد من الأخوة”، كانت هذه اللحظة ولادة فكرة الهروب”.

يضيف محمد: “أن الخلاف اليوم بلغ أوجهه بين عناصر التنظيم المهاجرين، وبين العراقيين المتنفذين في التنظيم، حيث يرغب المهاجرون بالبقاء في المدن السكنية، بحجة أنهم بنوا دولة لها دواوينها وقادتها، فيما يصرُّ الكثير من الأمنيين والقادة العراقيين، بعد ازدياد وتيرة ضربات التحالف وتقطع أوصال المدن، إلى التخلي عن المدن الصغيرة والأرياف، والعودة للانتشار في صحراء الأنبار العراقية التي يعرفونها جيداً، كما يعرفون تفاصيل راحة أيديهم
على حد تعبيره.

أكثر المناطق المكتظة بالنازحين من دير الزور في إدلب:
يقدر الناشطون العاملون في مجال الإغاثة الإنسانية، عدد العوائل القادمة من دير الزور  المقيمة في إدلب بالآلاف، يقول محمد /اسم مستعار/ وهو  ناشط إغاثة من الميادين نزح مؤخراً إلى ريف إدلب ويعمل في مكتب لتوزيع المساعدات في سلقين: “لقد قمنا بتقسيم المنطقة إلى قطاعات لسهولة الإحصاء، وفيما يلي العوائل التي تمكنا من توثيقها حتى الآن، علماً أننا لم نحصِ بعد جميع العوائل بشكل نهائي”.

ويضيف محمد: “قاطع سلقين: مدينة سلقين وحارم وريفهما يضم 212 عائلة من مدينة الميادين، يليهم في التعداد عوائل من الشعيطات والشحيل، وبضعة عوائل من الريف الغربي لدير الزور من الكسرة و حوايج ذياب وحوايج البومصعة.
قاطع إدلب المدينة: يضم 70 عائلة نازحة من مختلف مناطق دير الزور وريفها.
قاطع سرمدا: ويضم كذلك عقربات والدانا، هذا القاطع يضم وفق ما وثقنا 165 عائلة، معظمهم من قرى جديد عكيدات والدحلة بريف دير الزور الشرقي”.

الوضع المعيشي للنازحين في ريف إدلب:
تقول (س ع) نازحة من ريف ديرالزور الشرقي أمضت حتى الآن قرابة عام في مدينة سلقين: “تأقلمنا مع الوضع بإدلب، المهم إنه مابي داعش، وكثير من جيراننا وقرايبنا صاروا هون ما عادت غربة، بس منغص علينا عيشتنا قصف الطيران واستغلال التجار هون. تعرفنا على عادات وأكلات جديدة للناس هون بإدلب”. وأعربت عن أملها الكبير بالعودة لبيتها الذي هُجّرت منه: “كل يوم نقول بكرا راجعين لبيتنا وناسنا، بالنهاية الظلم ما يدوم وبيوتنا اللي تركناها راح نرجعلها بإذن الله”.

أما عبد الله /اسم مستعار/-أب لعائلة من 5 أفراد من البوكمال يقيم في كفردريان بريف إدلب- يقول عن تجربة العيش في الشمال السوري بعد أن اضطر لترك منزله: “هربنا من جحيم داعش على أمل أن يكمل أطفالي دراستهم في مدارس إدلب، صُدمت بالواقع المرير هنا، وأعني عدم اكتراث المجالس المحلية والمنظمات الإغاثية بنا، لا أحد يهتم بنا هنا إطلاقاً، حين زادت وتيرة الهروب من مناطق داعش الفترة الماضية، تشارَك بعض النازحين من دير الزور بيوتهم المستأجرة مع القادمين الجدد، والبعض الآخر نصبوا خياماً صغيرة في حدائق منازلهم لإيواء أكبر قدر من النازحين، خلصت إلى حقيقة حينها لا يهتم بالنازح إلا النازح”

مبادرات تشكيل منظمات ومجالس محلية ومكاتب إغاثة:
مجموعة من الناشطين من شباب عشيرة الشعيطات في ريف سلقين، استأجروا قطعة أرض كبيرة بمساحة 4 دونمات، لبناء غرف مؤقتة لإيواء العوائل القادمة من دير الزور، ريثما تسنح لهم فرصة العبور إلى تركيا، أو تأمين سكن في قرى ريف إدلب.
يقول (م ش) أحد مؤسسي المشروع: “لقد ولدت الفكرة من رحم المعاناة، وتخاذُل الجميع عن مساعدة أهلنا  الهاربين من جحيم داعش في الشرقية، لا المجالس المحلية ولا المنظمات الإغاثية تنظر لحالنا، بل على العكس، البعض ينظر لنا وكأننا دواعش، والآخر الأفضل حالاً ينظر لنا، على أننا نملك الملايين وأصحاب آبار نفط سابقين ويحاول استغلالنا، وليس آخر هذه التصرفات المشينة منع محكمة اعزاز الشرعية القادمين من الشرقية، دخول مدينة اعزاز بحجة تسرب عملاء داعش مع المدنيين، بعد المفاوضات سمحوا للعوائل التي تحصل على تزكية من مقاتلي أحرار الشرقية بالدخول”.

مجموعة أخرى من الناشطين في مدينة سرمدا، قررت استئجار مستودعات كبيرة لإيواء القادمين من دير الزور بشكل مؤقت ريثما يتمكنون من تأمين بديل مناسب، يقول أحد القائمين على المشروع: “إن هذه المستودعات و الهنغارات غير صالحة للسكن، وغير مجهزة بأبسط مقومات المعيشة، حاولنا تجهيزها قدر المستطاع لتكون حلاً سريعاً لضيوفنا الجدد”.

مرفق فيديو من أحد المستودعات المذكورة. سرمدا – أيلول/سبتمبر 2016

ناشطون آخرون حاولوا تشكيل مجالس محلية، معتمدين على التمثيل المناطقي للعوائل النازحة في خطوة تهدف لتجميع أنفسهم، وتوحيد الجهود ومخاطبة المنظمات الداعمة، لم تفلح تلك الجهود حتى اليوم في تحقيق مبتغاها، فالانقسامات القبلية والمناطقية لا زالت أحد العوامل المثبطة لتنسيق أي جهد جماعي ناجع لإغاثة النازحين.
وفي سياق متصل عملت مجموعة من الناشطين، على تشكيل رابطة أبناء دير الزور في سلقين، لتكون تجمعاً لكل أهالي دير الزور، وقد ساعدت الرابطة عدة عوائل قائمة في تأمين المسكن والإغاثة.

مكتب الميادين الإغاثي مشروع آخر، أسسه ناشطون من مدينة الميادين، يهدف لتقديم السكن المؤقت للقادمين الجدد وتوزيع المعونات الاغاثية.
يقول أحد مؤسسي المشروع: “لقد قمنا باستئجار بيت كبير، ليكون مضافة لكل أبناء المنطقة حين وصولهم، لحين يتمكنوا من إيجاد مسكن لهم في سلقين أو في القرى المجاورة، كذلك بالتعاون من أبناء الميادين المغتربين في تركيا ودول الخليج، تمكنا من توزيع سلل إغاثية للنازحين المقيمين في سلقين”.

المقترحات والتوصيات:
يطالب مرصد العدالة من أجل الحياة في دير الزور رعاية المساهمات الفردية ودعم المبادرات القائمة الهادفة لتأمين مساكن مؤقتة للعوائل الهاربة وتأمين سلال إغاثة كحلول إسعافية لهم ريثما يستقرون.

كذلك يطالب مرصد العدالة من أجل الحياة في دير الزور وبشكل لا يحتمل التأخير، بإعادة تقييم احتياجات النازحين في الشمال السوري، بطريقة تضمن أفضل استجابة لتأمين الإغاثة الإنسانية لهم، عبر المنظمات المحلية والدولية العاملة في الشأن السوري، ودعم المبادرات الفردية بهذا الصدد. كذلك من الواجب تسليط الضوء على القصص المشرقة لتعاضد النازحين في إطار المقاومة المدنية وتحقيق حلم العودة.

تعليقات الفيسبوك