“حكموني قصاص…بس ما أعرف ليش”

التقت منظمة العدالة من أجل الحياة مع محمد أحمد الصكر /23 سنة/ وهو شقيق إحسان أحمد الصكر الذي قام تنظيم الدولة بإعدامه في 21 تموز/يوليو 2015 حيث تحدث محمد عن تفاصيل الحادثة.

 

مقدمة:

إحسان أحمد الصكر مواليد ديرالزور 1988 يعمل في لبنان ويقوم بزيارة أهله في حي العرضي في مدينة ديرالزور بين فترة وأخرى.

وصل إحسان إلى منزل أهله في حي العرضي في إجازة كان من المقرر ألا تتجاوز عدة أيام ولكن وبسبب قرار الخدمة الاحتياطية الصادر عن السلطة السورية اضطر إحسان على البقاء، يذكر أن إحسان كان قد أنهى الخدمة الإلزامية إلا أنه خشي من اعتقاله من قبل السلطات السورية وإلحاقه بالخدمة العسكرية.

صورة إحسان أحمد الصكر

 

خلفية:

 سيطر تنظيم الدولة على معظم محافظة ديرالزور في تموز/يوليو 2014 بما فيها أحياء الحميدية – الشيخ ياسين-كنامات-خسارات-العرضي-المطار القديم-العمال-الحويقة-البعاجين في مدينة ديرالزور حتى دخول القوات النظامية وسيطرتها على كافة أحيائها في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، ارتكب تنظيم الدولة خلال فترة سيطرته على المحافظة انتهاكات بحق المدنيين من اعتقال وإخفاء وإعدامات وملاحقات حيث راح ضحيتها المئات. سببت هذه الانتهاكات حركة نزوح واسعة من المحافظة خاصة الأشخاص الذين شاركوا في النشاطات المدنية والعسكرية بمواجهة الحكومة السورية.

 

الاعتقال الأول:

 تعرض إحسان لاعتقالين بعد وصوله في إجازة إلى حي العرضي في مدينة ديرالزور حيث حكم عليه تنظيم الدولة بالإعدام ذبحاً بالسيف بعد الاعتقال الثاني، تحدث محمد عن الاعتقال الأول حيث قال:” بعد مشكلة بين قيادي مهاجر( أمير يحمل جنسية أجنبية) في تنظيم الدولة وزوجته حيث شاهدها تقف مع شخص آخر قامت زوجته بالاعتراف على أسماء 26 شخص كان أحدهم له محادثة مع إحسان على الواتس آب، وبعد التحقيق مع هؤلاء الأشخاص قامت الشرطة الإسلامية التابعة لتنظيم الدولة باعتقال إحسان والتدقيق على المحادثات الموجودة على حساب الفيس بوك الخاص به، بعد سماعي باعتقال إحسان قمت أنا بفتح حسابه على الفيس بوك ومسحت جميع المحادثات رغم أنها كانت محادثات عادية إلا أنني أعرف أنهم سيبحثون عن أي نقطة ليجدوا تهمة عليه، اعتقلني عناصر التنظيم بسبب قيامي بمسح رسائل محادثات إحسان على الفيس بوك”.

يكمل محمد شهادته”: كانت زنزانتي ملاصقة لزنزانة إحسان في مستشفى الساعي والذي اتخذه التنظيم مقراً له، قال لي إحسان إن عناصر التنظيم ضربوه بشدة وسببوا له رضوضا في جسده مطالبين بالاعتراف بمضمون رسائل الفيس بوك التي تم حذفها، كما قال لي إن المدعو أبو منذر المصري –شرعي لدى تنظيم الدولة-حكم عليه بالقصاص ولا يعلم ما السبب “.

حكم القصاص الصادر عن تنظيم الدولة في مدينة ديرالزور لابد فيه من العودة الى المحكمة الإسلامية في مدينة الميادين والتي كان يرأسها أبو عبد الله الكويتي والذي ألغى بدوره حكم القصاص الصادر بحق إحسان وقام بتبرئته. سأل أبو عبد الله الكويتي إحسان في حال كان راغباً بتقديم شكوى على من قام باعتقاله وتعذيبه فاشتكى إحسان على كل من أبو منذر المصري (الذي أصدر حكم القصاص) وعلى شخصين آخرين من ديرالزور أحدهما يدعى أبو حمود والأخر يدعى محمد الملا علي.

محمد الملا علي-أحد عناصر تنظيم الدولة في ديرالزور

 

يتابع محمد حديثه لمنظمة العدالة من أجل الحياة:” أصدر التنظيم قراراً بإقالة أبو منذر المصري (وسمعت أنه أعدم فيما بعد في حلب ولكن لا اعرف بسبب شكوى إحسان أم لسبب آخر) ونُفي المدعو أبو حمود الى بلدة البصيرة في ريف ديرالزور ونفي المدعو محمد الملا علي إلى جرابلس في ريف حلب”.

 

الاعتقال الثاني:

يتحدث محمد لمنظمة العدالة من أجل الحياة عن الاعتقال الثاني لشقيقه إحسان فيقول:” بعد أشهر  من الإفراج عن إحسان تحديداً في خامس  أيام رمضان عام 2015  وهو خارج من جامع حرويل-الواقع في حي العرضي- بعد أدائه صلاة الفجر الساعة الرابعة فجراً مرّت بجانبه سيارة يقودها المدعو أبو علي حواجز وهو من إدلب وقيادي في التنظيم وطلب منه الصعود إلى السيارة وقام بتفتيش جواله (كنت قد اعطيته هذا الجوال قبل يومين من الحادثة ) ثم اقتاده معه الى مركز أمني تابع للتنظيم، في اليوم التالي ذهبت إلى أبو علي حواجز وسألته عن سبب اعتقال إحسان فأجابني أنه سيتم إطلاق سراحه خلال أيام”.

صورة للمدعو أبو علي حواجز-أحد عناصر تنظيم الدولة في ديرالزور

 

يتابع محمد:” بعد 11 يوم جاءني شخص وقال لي إن إحسان موجود في مقر الشرطة الإسلامية وقد حكم عليه قاضي من أمنيي التنظيم بالإعدام بإطلاق النار على رأسه، ذهبت إلى مقر الشرطة الإسلامية ومعي والدتي ولم يكن أي عنصر في المقر، التقيت بإحسان في زنزانته وقال لي:” لا أعرف ما يحصل فقط اتهموني بالكفر وسب الذات الإلهية وأنا نفيت التهمة ويقولون إنهم شاهدوا الكفر على جوالي إلا أنهم لم يروني أي شيء “. قلت لإحسان لنخرج ونستغل عدم وجود أي عنصر في المقر إلا أنه رفض تماماً وقال لي سأثبت التهمة إن فعلت ذلك”. يكمل محمد:” أعدت والدتي الى البيت ثم عدت إلى احسان وأيضا لم أرى أي عنصر في المقر وطلبت من إحسان الهروب إلا أنه كرر رفضه وقال لي إن أبو علي حواجز هو من حقق معه، رغم أنني سألت أبو علي ونفى قيامه بالتحقيق مع إحسان”.

بعد 7 أيام قام شخص بإخبار محمد بأن أخيه إحسان موجود في مستشفى فارمكس الميداني فذهب ليراه إلا أنهم كانوا قد أخرجوه حيث قال العاملون في المستشفى لمحمد إن إحسان كان يعاني من كسر في الحوض نتيجة الضرب الشديد الذي تعرض له في المعتقل، بعد معرفة محمد بقيام عناصر التنظيم بتعذيب شقيقه توجه إلى مقر الشرطة الإسلامية معترضاً فقال له عناصر الشرطة الإسلامية إن إحسان يعاند ولا يقبل بالاعتراف.

يقول محمد لمنظمة العدالة من أجل الحياة:” قال لي عنصر تابع لتنظيم الدولة إن التهمة الموجهة لإحسان هي سب الذات الإلهية ولكن لم يتوافر أي إثبات وسيخرج قريباً، بعد يومين سمعت أنه في سجن الميادين وأن عناصر التنظيم أخبروا السجناء أن إحسان حكم عليه بالإعدام، بحثت عنه في كل السجون بما فيها الميادين إلا أن عناصر التنظيم كانوا ينفون وجوده”.

تمكن محمد من الوصول إلى عنصر تابع للتنظيم يعمل في سجن الميادين حيث تأكد من خلاله أن إحسان موجود في هذا السجن. يقول محمد:” أرسلت بعض النقود والأغراض الخاصة إلى إحسان عن طريق عنصر استطعت التواصل معه، وبعد أيام أخبرني العنصر بأنه تم عرض إحسان على قاضي يدعى أبو مسلم الجزراوي والذي اتهم إحسان بسب الذات الإلهية، وأن القاضي كان يقرأ من ورقة وسأل إحسان إن كان الجوال والرقم الذي تمت مصادرته يعود له، ورغم نفي إحسان كل التهم وطلبه من القاضي بأن يرى الجوال الذي يتكلم عنه القاضي إلا أن القاضي رفض وقام بتثبيت الحكم على إحسان”.

الورقة التي قام عناصر تنظيم الدولة بتعليقها على جثة إحسان تتضمن التهمة الموجهة إليه والحكم الصادر بحقه

 

يقول محمد:” ذهبت مع صديق لي إلى أبو علي حواجز الذي اعتقل إحسان وسألته عن سبب الاعتقال فاعترف أمامي رغم إنكاره سابقاً أنه هو من حقق مع إحسان بتهمة سب الذات الإلهية وكان كلامه متناقضاً فمرة يقول إنه شاهد عبارات الكفر على الواتس آب ومرة يقول على الفيس بوك ومرة يقول على الرسائل النصية”.

 

تنفيذ الحكم:

قبل يومين من تنفيذ الحكم بحق إحسان (لم يكن أحد على علم بموعد التنفيذ) تواصل محمد مع أمير الأمنيين في ولاية الخير -وهو الاسم الذي أطلقه تنظيم الدولة على ديرالزور بعد سيطرته عليها- والذي كان متواجداً في حقل العمر النفطي حيث شرح له القصة بأكملها فقام بدوره بإصدار أمر بإعادة التحقيق مع إحسان ولكن دون نتيجة.

لحظة إنزال إحسان من سيارة تابعة للشرطة الإسلامية إلى مكان تنفيذ الحكم

 

تجمهر أهالي حي العرضي بناء على طلب عناصر تنظيم الدولة وذلك لمشاهدة تنفيذ الحكم بإحسان

 

يتحدث محمد عن تنفيذ الحكم بحق شقيقه إحسان فيقول:” قبل التنفيذ بفترة بدأ عناصر التنظيم بمضايقتي ومحاولة استفزازي وبدأت تتشكل لدي قناعة أنهم سيقتلون إحسان. بتاريخ 21 تموز/يوليو 2015 كنت قادماً من الميادين إلى حي العرضي وهو الحي الذي يوجد فيه بيتنا، دخلت إلى منزل أحد أصدقائي، فجأة جاءت عدة سيارات تابعة للتنظيم إلى الحي، خرجت مع صديقي فشاهدت سيارة قامت بإنزال إحسان. قام أحدهم بقراءة اسم المتهم والتهمة عبر مكبر الصوت حيث قالوا إنه سيعدم بتهمة سب الذات الإلهية مؤكدين أنها المرة الثالثة التي يستتاب فيها إحسان ويعود ويسب الذات الإلهية، حاولت الاقتراب إلا أن أصدقائي منعوني، حيث قام عناصر تابعين للتنظيم بقطع رأسه وصلبه لمدة يوم كامل ومنعوا أي شخص من الاقتراب منه وقاموا هم بأخذ جثته في اليوم التالي ومنعونا من دفنه”.

قبل تنفيذ الحكم بإحسان

 

كانت السرعة في التنفيذ واختيار المكان يشير إلى استعجال التنظيم ورغبته في إحداث صدمة لدى أهل إحسان والمدنيين في مدينة ديرالزور عامة. يقول محمد:” قاموا بقطع رأس شقيقي في مكان يبعد عن منزلنا 150 متراً وهي المرة الأولى التي يعدم فيها شخص بالقرب من منزل أهله، عادة ما يتم تنفيذ هذا النوع من الأحكام في مدينة ديرالزور بالقرب من حديقة في شارع التكايا إضافة إلى أن التنظيم قام بإعدام إحسان بعد شهر من اعتقاله وهذا مخالف لما يقوم به التنظيم، فعادة ما تكون المدة بين الاعتقال والتنفيذ لا تقل عن 3 أشهر”.

في اليوم التالي لتنفيذ الحكم خرج محمد مع أهله من مدينة ديرالزور فلم يعد باستطاعتهم البقاء، وجهت لمحمد تهديدات من مقربين من التنظيم، كما قام عناصر التنظيم بالاستيلاء على المنزل الذي كان أهل إحسان مقيمين فيه على الرغم من أن المنزل لا يعود لهم، فهم انتقلوا إليه بعد أن دمر منزلهم نتيجة القصف الجوي لطيران القوات النظامية على حي العرضي.

 

Facebook Comments