مقدمة
في السادس عشر من كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد ثمانية أيام على فرار بشار الأسد وانهيار نظامه أمام تمدد عملية “ردع العدوان” التي قادتها فصائل معارضة بقيادة “هيئة تحرير الشام”، طرحت[1] الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا ما أطلقت عليه اسم “مبادرة الحوار السوري” مؤكدة على أهمية التعاون بين الإدارة الذاتية الديمقراطية والإدارة السياسية في دمشق (الاسم المتعارف عليه للسلطات الجديدة في دمشق في تلك الفترة) لبناء سوريا الجديدة. خلال الأسابيع التي تلت ذلك توالت تصريحات وتسريبات صحفية من الطرفين تؤكد أن المفاوضات جارية وأن هناك رغبة في التوصل إلى اتفاق سلمي وتجنب الحل العسكري، وهو ما يتوافق[2] أيضاً مع تقديرات عامة للرأي العام والتحركات الشعبية في شمال شرق سوريا وغيرها من المناطق السورية.
يواجه[3] المسار التفاوضي العديد من العثرات والتحديات الداخلية والإقليمية والدولية، وتبرز ضمنه عدة ملفات شائكة من أهمها الاندماج العسكري لقوات قسد في الجيش السوري الجديد، وإدارة الموارد الطبيعية بما فيها حقول النفط، وقضايا التمثيل السياسي والإداري[4] لسكان المنطقة في عملية المفاوضات ذاتها أو في أي اتفاق قد ينتج عنها.
ترتبط هذه الملفات وغيرها ارتباطاً وثيقاً بالنقاشات حول شكل الحكم وتوزيع السلطات والصلاحيات الإدارية، خاصة مع أخذ تاريخ المنطقة وتركيبتها السكانية، وكذلك تجربة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا خلال السنوات الأخيرة، بعين الاعتبار. حيث قدمت الإدارة الذاتية نموذجاً حوكمياً قائماً على آليات الحكم المحلي الذاتي وإدارة التنوع يختلف عن النماذج الحوكمية الأخرى التي عرفتها سوريا خلال مرحلة النزاع وماقبله، ويشكل عاملاً أساسياً يحكم سير المفاوضات حول مستقبل المنطقة وهياكلها العسكرية والمدنية والإدارية، ومستوى تنسيقها أو اندماجها مع الهياكل الوطنية السورية المقابلة لها.
في هذا الإطار تطرح هذه الورقة بعض التصورات والأفكار من قبل مجموعة من الشخصيات الفاعلة في الشأن العام في كل من القامشلي والرقة ودير الزور حول النموذج الأمثل للإدارة المحلية لهذه المناطق، بما في ذلك النظر في الأولويات والآليات الممكنة لتطبيقها، وتقدم بناء على ذلك تصوراً مقترحاً لهذا النموذج والمحددات والاعتبارات المتصلة به.
تأتي هذه الورقة في إطار تدخلات على مسارات متعددة تقوم بها منظمة العدالة من أجل الحياة بغرض رفد النقاشات العامة وتقديم أساس معرفي وتقني لجهود المناصرة والتأثير على صناع السياسات بما يعزز من مساحات المشاركة السياسية والمدنية؛ وتعتبر بذلك مكملة لسلسلة أوراق أخرى تتطرق لمواضيع حوكمية وخدمية وسياسية مختلفة.
المنهجية
تعتمد هذه الورقة بشكل أساسي على مدخلات تم جمعها من خلال جلسات نقاش مركز مع مجموعة من الشخصيات المفتاحية من الفاعلين بالشأن العام في الرقة والقامشلي ودير الزور، بغرض الإجابة على السؤال العام التالي:
ما هو نموذج الإدارة المحلية الأنسب لمناطق شمال شرق سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد؟ و ما هي الآليات الممكنة لضمان مشاركة محلية لسكان تلك المناطق في إدارة أمورهم و ثروات المنطقة؟
تم عقد الجلسات الثلاث بهدف مناقشة الأشكال والأنماط الممكنة للإدارة المحلية في شمال شرق سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، بما في ذلك علاقة المنطقة وأي اجسام حوكمة فيها بالإدارة المركزية في دمشق. وكذلك استطلاع آراء الفواعل المحلية في مناطق مختلفة من شمال شرق سوريا بالمقاربات الأنسب التي تضمن حقوق سكان هذه المناطق ومشاركتهم الفعالة في إدارة شؤونهم بما في ذلك القضايا المحلية وتوزيع الثروات بما يلائم خصوصية المنطقة.
كما انطلق نقاش الجلسات من عدة مبادئ وفرضيات أساسية، هي:
- مبدأ الحفاظ على وحدة سوريا كدولة واحدة
- إن لمناطق شمال شرق خصوصية تختلف عن باقي مناطق سوريا يفرضها سياق وتاريخ المنطقة في مرحلة حكم الأسد، وكذلك في السنوات اللاحقة لثورة 2011، بالإضافة إلى الخصوصية المتعلقة بالتركيبة الديمغرافية والاجتماعية في المنقطة من تنوع اثني وديني وبنى عشائرية.
- أهمية ضمان مستويات فعالة من مشاركة المجتمعات المحلية في شمال شرق سوريا بإدارة شؤونهم والمشاركة في صنع القرارات والسياسات التي تتعلق بذلك.
ملاحظات منهجية إضافية
- تم عقد 3 جلسات في كل من القامشلي، الرقة ودير الزور، بمشاركة 8 أشخاص في كل جلسة، في الفترة ما بين 19 و28 كانون الثاني/يناير 2025. شارك في الجلسات أشخاص مفتاحيون من قيادات مجتمعية وممثلي مجتمع مدني وأعضاء في هياكل الإدارة المحلية في المناطق الثلاث.
- تم عقد الجلسات خلال النصف الثاني من شهر كانون الثاني/يناير، قبل مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في دمشق يومي 24 و 25 شباط/فبراير 2025، و كذلك قبل “مؤتمر النصر” الذي عقد في دمشق في 29 كانون الثاني/يناير والذي تم فيه الإعلان عن تنصيب أحمد الشرع رئيساً لسوريا.
- الجلسات الثلاث ضمت 24 مشار ك ومشاركة بمعدل 8 من كل منطقة، من بينهم 11 امرأة. هي بالتأكيد عينة صغيرة و غير تمثيلية. كما أن المشاركين/ات من الفاعلين في الشأن العام قد لا تعكس آرائهم بالضرورة التصورات الأوسع للمجتمع.
- شملت الجلسات ممثلين من مدينة القامشلي، محافظة الرقة، ومناطق مختلفة من دير الزور والتي تقع تحت سيطرة الادارة الذاتية. لم تشمل الجلسات أي ممثلين من مناطق دير الزور الواقعة تحت سيطرة حكومة دمشق أو مناطق تقع تحت سيطرة الإدارة الذاتية في محافظة حلب. تشير في هذه الورقة إلى المناطق المشمولة باستخدام اصطلاح شمال شرق سوريا.
نتائج جلسات الحوار المركز
شمال شرق سوريا والعلاقة مع المركز
في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها سويا منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تبرز قضية العلاقة بين المناطق الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا مع باقي المناطق السورية وبشكل أدق مع السلطات الجديدة وحكومة تصريف الأعمال في دمشق كقضية مفصلية في مسار الانتقال إلى مرحلة ما بعد الأسد. يُجمع أغلب المشاركين/ات من المناطق الثلاث المختلفة أن العلاقة ومستقبلها يبدو ضبابياً ومتوتراً في هذه المرحلة، لكن مع تباينات واضحة في تحليل المشهد.
- تتباين بشكل واضح نظرة المشاركين/ات بين المناطق الثلاث حول شكل العلاقة المأمول أو المناسب بين مناطق شمال شرق سوريا والحكومة المركزية في دمشق، فقد أجمع المشاركون/ات في القامشلي على أن شكلاً من أشكال اللامركزية هو النموذج الوحيد المناسب للمنطقة والضامن لحقوق سكانها، فيما أشار المشاركون/ات في دير الزور أن المركزية هي الحل الوحيد، نظراً لصعوبة تطبيق اللامركزية، ولأن المركزية هي الضامن الوحيد ضد التهميش أو التقسيم ولبناء دولة واحدة قوية وتجنب التجارب الفاشلة كالنموذج العراقي على حد تعبير أحد المشاركين. أما في الرقة لم يبدِ المشاركون/ات أي تفضيل لنموذج محدد، بل تم التركيز على أن يكون الحوار والتفاوض هو المسار لاستكشاف النموذج المناسب لضمان سوريا موحدة وملائمة التنوعات على كامل الجغرافيا السورية وضمان حقوق جميع السوريين/ات.
- يظهر جلياً من الجلسات أيضاً التوجه العام لدى المشاركين/ات من جميع المناطق للتأكيد على أهمية استمرار المسار التفاوضي، رغم أن بعضهم أشار إلى التوترات والصعوبات التي ترافق هذا المسار. حيث نوه المشاركون/ات من جميع المناطق إلى تداخل المصالح الإقليمية والدولية وتأثيرها المباشر على مسار المفاوضات وبالتالي نتيجتها. من ناحية أخرى أشار البعض في جلستي الرقة ودير الزور إلى معضلة التمثيل في المسار التفاوضي، مشيرين إلى أن المفاوضات قائمة بين سلطات أمر واقع ولا تأخذ بشكل حقيقي بمصالح واهتمامات السكان أو فئات متعددة منهم. من جانب آخر، ركز بعض المشاركين/ات على أن مسار المفوضات معقد ومهدد بالانهيار نظراً للاستقطاب الشديد والخلافات البينية بين الإدارة الذاتية من جهة وحكومة تصريف الأعمال في دمشق من جهة أخرى، على سبيل المثال تطرقت مشاركة في جلسة القامشلي إلى الخلافات الايديولوجية حيث تخوفت من “العقلية المتشددة ” للسلطات الجديدة والنزعات الدكتاتورية خصوصاً على النساء ومكتسبات المشاركة السياسية للنساء التي تم الوصول إليها في مناطق الإدارة الذاتية.
- يظهر أيضا حالة من الإجماع لدى المشاركين/ات من المناطق الثلاث حول المستقبل المأمول لسوريا والأولويات والخطوط العامة. حيث تم التأكيد من أغلب المشاركين/ات على أولوية وحدة سوريا كدولة، وعلى تحقيق السلم الأهلي والتنمية الاقتصادية، وبناء دولة المواطنة القائمة على أساس دستور وقوانين تحفظ حقوق وواجبات المواطنين السوريين كافة على اختلاف أعراقهم أو طوائفهم أو مناطقهم. ويرى المشاركون/ات إن إطلاق عملية حوار وطني سوري-سوري هي الطريق الوحيد للوصول إلى تمثيل عادل لمصالح جميع المناطق ومراعاة للخصوصيات المحلية وحماية لحقوق الأقليات والفئات المجتمعية المختلفة. في حين حذر البعض من “حرق المراحل” أو اعتماد المحاصصة كأساس للتمثيل في مسارات الحوار الوطني.
المشاركة المجتمعية والتجارب السابقة في المنطقة
تركز المحور الثاني للجلسات الحوارية على محاولة معاينة التجارب السابقة وتاريخ منطقة شمال شرق سوريا بغرض استخلاص ممارسات إيجابية أو سياسات يتعين تجنبها في سبيل تحقيق تطلعات سكان المنطقة. بشكل أكثر تحديداً ناقش المشاركون/ات الضمانات الممكنة لتجنب سياسات التهميش التي عانت منها المنطقة طوال عقود من حكم نظام الأسد، حيث يبرز شبه إجماع بين المشاركين/ات على تحليل هذه المرحلة وأسبابها وآليات عدم تكرارها. ومن ناحية أخرى تحليل تجربة الإدارة الذاتية في السنوات الأخيرة، وهنا يبدو الاختلاف واضحاً بين المناطق المختلفة. ففي حين يجمع المشاركون/ات من الرقة والقامشلي على وجود بعض الممارسات أو النماذج الإيجابية القابلة للدراسة والاستفادة منها في نقاش آليات الإدارة المحلية في سوريا، أما في دير الزور، فإن الانطباع العام هو تقييم سلبي للغاية لهذه التجربة واعتبارها تجربة فاشلة بالكامل لم تجلب إلى المنطقة إلا المزيد من التهميش والفساد والمحسوبيات.
مناطق شمال شرق سوريا في مرحلة مركزية نظام الأسد
- ربط بعض المشاركون/ات موضوع التهميش الذي عاشت تحته محافظات الجزيرة السورية الثلاث خلال فترات حكم الاسد الأب والابن بالسياسات الاقتصادية وسياسات التنمية. حيث نوهت مشاركة من القامشلي إلى تصنيف المنطقة ك “منظقة نامية” وإهمالها في مجالات التعليم والخدمات الأساسية كان من أبرز السياسات التي عززت التهميش وحرمت سكان المنطقة من حقوقهم. في حين نوه مشارك آخر إلى السياسات الاقتصادية وأنظمة الضرائب التي أضعفت القطاع الزراعي وأدت إلى المزيد من الإفقار للمنطقة.
- كما أشار العديد من المشاركين/ات إلى غياب آليات حقيقة للمشاركة المجتمعية، وتركيز القرار بيد السلطة المركزية وعدم إتاحة أي صلاحيات للإدارات المحلية من العوامل التي ساهمت أيضاً في سياسات التهميش.
- وبناء عليه يرى أغلب المشاركون/ات من المناطق الثلاث أن سياسات التنمية المحلية، ومراعاة التنوع وإتاحة المساحة لمشاركة مجتمعية واسعة في صناعة القرار، خاصة فيما يتعلق بإدارة الموارد ستكون من أهم الآليات الضامنة لعدم تكرار سياسات التهميش.
شمال شرق سوريا وتجربة الإدارة الذاتية
- بالنسبة لتجربة الإدارة الذاتية، أشار مشاركون/ات من القامشلي والرقة إلى بعض الجوانب الإيجابية ومنها دور الإدارة الذاتية وذراعها العسكري (قسد) في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وتحقيق مستويات جيدة نسبياً من الأمان والاستقرار. كما تحدث المشاركون/ات في الجلستين عن وجود مستويات مقبولة من الأداء والتنظيم المؤسساتي، بالإضافة إلى إتاحة هامش من الحريات للمجتمع المدني وحرية التعبير وحقوق النساء، أفضل من المناطق الأخرى في سوريا خلال السنوات الماضية. كما أشار أحد المشاركين من القامشلي إلى موضوع التمثيل وإدارة تنوع المكونات الثقافية والإثنية كعامل قوة.
- في نفس الوقت عبر المشاركون/ات في جلسات الرقة والقامشلي إلى بعض التجارب السلبية ومنها سياسات التعليم المثيرة للجدل، ضعف الاهتمام بالجانب الخدمي وسياسات التنمية الاجتماعية، وضعف الكفاءات وعدم العمل على سياسات فعالة لاستقطاب أصحاب المؤهلات والكفاءات، وآليات تعيين المجالس المحلية وتنفذ المستشارين وعدم إجراء انتخابات. كما أشار أحد المشاركين من الرقة إلى بعض السياسات التي لا تنجح عملياً كمبدأ الرئاسة المشتركة، والذي أدى بحسب رأيه إلى التخبط وعدم الفعالية.
- أما في دير الزور، فقد أكد المشاركون/ات على رؤيتهم السلبية لتجربة الإدارة الذاتية من السياسات القطاعية الخاصة بالتعليم والصحة والخدمات، إلى تحجيم الشخصيات المفتاحية وأصحاب المؤهلات لصالح المستشارين (الكوادر) والمحاصصات العشائرية. وقد ذكر بعض المشاركين في دير الزور، والبعض في الرقة أيضاً، أن آلية تعامل الإدارة الذاتية مع العشائر، قد عززت من المحاصصة والمحسوبيات بدل أن يتم استثمار العشائر كقوى مجتمعية عابرة للمناطق قادرة على الحشد وتعزيز المشاركة المجتمعية.
أولويات الإدارة المحلية لشمال وشرق سوريا
في المحور الثالث من الجلسات، ناقش المشاركون/ات أولويات المرحلة القادمة بناء على نقاشات المحاور السابقة ومن خلال استعراض الأدوار المختلفة للجهات الفاعلة. على الرغم من الاختلافات الكبيرة بين المناطق الثلاث في الرؤية حول العلاقة بين مناطق شمال شرق سوريا والحكومة المركزية، وكذلك التباينات في معاينة تجارب المراحل السابقة، إلّا أنه من الملاحظ وجود مستوى عام من التوافق على الأولويات وبعض الأدوار المنوطة بالمرحلة القادمة.
- أكد المشاركون/ات في الجلسات الثلاث على أولوية الاستمرار بمسارات التفاوض والحوار وتجنب أي انزلاق نحو مواجهات عسكرية. في حين أشار البعض إلى ضرورة توقف العمليات العسكرية وبدء مسار محاسبة المتورطين بسفك الدماء.
- بشكل متصل، أجمع أغلب المشاركين/ات على ضمان التمثيل العادل والمتكافئ لكافة المكونات والفئات المجتمعية في مسارات الحوار والمفاوضات. حيث يمكن ملاحظة تركيز كبير من قبل المشاركين/ات على أهمية تعزيز آليات المشاركة المحلية في عمليات صنع القرار على المستوى الوطني، من بعض الأمثلة التي ذكرت عقد حوارات محلية لاختيار ممثلين كفؤ عن المناطق والاعتماد على مبدأ التكنوقراط واستقدام الخبرات. كما طرح بعض الأشخاص أفكاراً مرتبطة بسبر آراء المجتمعات بشكل أوسع من خلال دراسات واستطلاعات رأي أو استفتاءات.
- يمكن ملاحظة ميل عام لدى المشاركين/ات من مختلف المناطق لضرورة مراعاة الخصائص الديمغرافية والاجتماعية المختلفة للمناطق، ولكن مع الحذر من مبدأ المحاصصة. ذهب بعض المشاركين إلى المطالبة بأن لا يتم أي ذكر مباشر لمجموعات هوياتية في القوانين أو الدستور أو غيرها، على أن تكون متضمنة في بنود تحفظ حقوق جميع السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم.
- كما أجمع المشاركون/ات من جميع الجلسات على ضرورة تعزيز المشاركة المحلية والحوار الوطني في مسار يؤدي إلى تعزيز عملية انتقال سياسي وتأسيس دولة مواطنة قائمة على القانون ودستور يحمي حقوق جميع المواطنين.
- يرى بعض المشاركين/ات في الجلسات الثلاث أن على المجتمع المدني دور كبير في تحقيق التمثيل والمشاركة المحلية من خلال عدة أدوات ووظائف منها الدور الرقابي عل أداء السلطات بالإضافة إلى التوعية الاجتماعية والسياسية وتوظيف أدوات مختلفة لحملات تتعلق بالتنظيم المجتمعي والتمثيل وإيصال صوت المجتمعات المحلية إلى الممثلين في المسارات السياسية المختلفة أو في أي أجسام إدارية محلية كانت أم وطنية.
- كما تمت الإشارة من قبل عدد من المشاركين/ات إلى دور الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في عمليات رفع التوعية ومحاربة خطاب الكراهية والتحريض، وكذلك تعزيز ثقافة الحوار والتعايش.
خلاصة
تشير مخرجات الجلسات الثلاث التي تم عقدها لنقاش الاحتمالات الواردة والنموذج الأنسب لإدارة مناطق شمال شرق سوريا وعلاقتها مع الحكومة المركزية في دمشق إلى تعقد شديد في العوامل المؤثرة الداخلية منها والخارجية، وإلى غياب اتفاق أو اجماع عام بين الفواعل المدنية في هذه المناطق على رؤية متشابهة. حيث تنوعت الأفكار بين الدعوة إلى لامركزية إدارية وفق النموذج الذي تطرحه الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، وهو الرأي الاكثر وضوحاً في القامشلي، إلى الدعوات إلى نبذ مبدأ اللامركزية وتفضيل الاندماج الكامل مع حكومة دمشق ضمن إطار دولة مركزية واحدة، وكان هذا الرأي الغالب في نقاشات دير الزور، مع وجود أصوات بين هذين القطبين في مختلف المناطق والتي تفضل نماذجاً أو تصورات هجينة من الإدارة المحلية أو اللامركزية الإدارية الموسعة.
من اللافت أنه على الرغم من الرفض لمبدأ اللامركزية في بعض المناطق ومن قبل بعض المشاركين/ات، إلا أنه تم طرح بعض الأفكار أو المقترحات التي قد تتوافق مع هذا المبدأ. مثلاً الدعوة إلى وجود مجالس محلية منتخبة ذات صلاحيات واسعة تعمل على تعزيز المشاركة على المستوى الوطني والتأكيد على أهمية وجود إطار قانوني ينظم علاقة المركز بالأطراف ويضمن مراعاة الخصوصية، ولكن يعزز رؤية وطنية موحدة.
من ناحية أخرى، تشير نتائج الجلسات إلى إجماع كبير على ضرورة وأهمية تفعيل قنوات المشاركة المجتمعية وتعزيز آليات التمثيل الفعال لمختلف المكونات والشرائح المجتمعية على اختلاف هوياتها واهتماماتها، بما في ذلك الجماعات العرقية والدينية والطائفية والهياكل الاجتماعية كالعشائر والمجموعات غير الهوياتية كالمثقفين وأصحاب الكفاءات (التكنوقراط).
بشكل مشابه يظهر من الجلسات تعويل كبير واهتمام بدور المجتمع المدني والفواعل المدنية السياسية وغير السياسية في تحقيق هذه الآليات، عن طريق توظيف الخبرات التقنية والمعرفية في ابتكار أدوات تعزز قنوات المشاركة والتعامل مع إشكاليات قضية التمثيل والشرعية، وزيادة المعرفة والتمكين المجتمعي، وتحقيق السلم الأهلي، وأهمية كل ذلك لضمان إطلاق مشروع حوار وطني سوري يفضي إلى دولة قانون وحريات تكفل حقوق جميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم وتوجهاتهم.
نموذج مقترح لقضية الادارة المحلية
بناء عليه، وفي محاولة للإجابة على السؤال الرئيسي الذي نطرحه في هذه الورقة، فإن النموذج الأكثر ملائمة لإدارة مناطق شمال سوريا هو نموذج يبني على نقاط الالتقاء المتعددة بين الفئات والمناطق المختلفة، ويأخذ التباينات في التجارب والتصورات بعين الاعتبار. إن معاينة تاريخ المنطقة القريب والتجارب الحوكمية المختلفة التي مرت بها يفضي إلى نتيجة أنه لا يمكن و لا يجوز تكرار أي من هذه النماذج كما هي، بل العمل على نموذج هجين يضمن لسكان المنطقة الحق والقدرة على المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات التي تخص حياتهم ومنطقتهم، من خلال ضمان حقهم وحريتهم في التعبير والتجمع والتمثيل السياسي، ضمن إطار دستوري قائم على المواطنة والمساواة بين جميع السوريين/ات. وبذلك فإن هذا النموذج يجب أن يتطور ضمن هذه المحددات، على أساس حوارات معمقة ومتواصلة على المستوى المحلي والوطني، وإشراك الفئات وأصحاب المصالح المختلفة، بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني والتيارات السياسية والقيادات الدينية والمجتمعية وأصحاب الأعمال وذوي الكفاءات والخبرات التقنية. يمكن لهذا أن يتحقق بالاعتماد على غنى وتنوع الفواعل المدنية في المنطقة وتوظيف لفعالية المجتمع المدني والخبرات المتراكمة على مدى سنوات في مجالات التنظيم المجتمعي والإنتاج المعرفي والتمكين السياسي والحقوقي والإعلام والحشد والمناصرة وغيرها، في شمال شرق سوريا وفي سوريا ككل.
لتحميل نسخة PDF: الإدارة المحليّة في شمال شرق سوريا تجربة الماضي وتصوّرات المستقبل
[1] مبادرة الحوار السوري بناء سوريا الجديدة، موقع الإدارة الذاتية، 16 كانون الأول/ديسمبر 2024، https://aanesgov.org/?p=18280
[2] الجزيرة السورية على الطاولتين السياسية والعسكرية، موقع الجمهورية، 6 شباط/فبراير 2025، https://shorturl.at/LfWek
[3] مفاوضات دمشق-“قسد”.. بانتظار “الصفقة”، موقع عنب بلدي، 26 كانون الثاني/يناير 2025، https://shorturl.at/ntmeE
[4] تمثيل شمال شرق سوريا في الانتقال السياسي، موقع منظمة العدالة من أجل الحياة، 4 شباط/فبراير 2025، https://shorturl.at/hX8zi