مصطفى الحامض
تُشكل راهنية اتفاق 10 آذار والإجماع على أهميته في تبلور كيان مشترك واحدة من أهم محطات اختبار تعقيد التوازنات السياسية والعسكرية التي تحكم المشهد السوري اليوم، فهو اتفاق يتقاطع فيه منطق بناء الدولة مع وقائع السيطرة، وتتشابك داخله الحسابات الوطنية مع اعتبارات إقليمية أوسع، فيما يبقى المجتمع المحلي الطرف الأكثر تأثّراً والأقل تأثيراً، بهذا المعنى، لا يختبر الاتفاق قدرة الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية على التفاهم فحسب، بل يختبر أيضاً قدرتهما على إدارة انتقال حساس من واقع نفوذ متداخل إلى صيغة عملية قادرة على خلق استقرار سياسي واجتماعي.
في السياق السوري، كثيراً ما بقيت التفاهمات السياسية أسيرة مستوياتها العليا، تُقاس بقدرتها على ضبط التوازنات الكبرى أكثر مما تُقاس بقدرتها على الصمود كواقع مُعاش في البيئات المحلية، غير أن اتفاق 10 آذار يواجه اختباراً مختلفاً، هل يستطيع مغادرة العموميات والدخول إلى مساحات تتقاطع فيها أزمة السيطرة العسكرية مع الهشاشة الاجتماعية، أم سيبقى أسير تفاهمات مؤجلة تتجنّب مواجهة الأسئلة الصعبة؟
وعند أحد هذه الأسئلة، تبرز دير الزور لا بوصفها محافظة تنتظر نتائج الاتفاق، بل باعتبارها نقطة اختبار حاسمة لحدود الاتفاق الفعلية وإمكاناته، وتتميز باعتبارها نقطة توازن دقيقة بين سلطات متنازعة، هناك، قد يتحوّل الاتفاق إلى مسار تطبيقي تراكمي يعيد بناء الثقة ويختبر نموذجاً جديداً لا في تطبيق الاتفاق فحسب، بل في مسار بناء الدولة، أو يتعثر مبكراً ليكشف هشاشة التوازنات التي يقوم عليها.
لا تنطلق هذه القراءة من افتراضات نظرية مجردة، بل هي خلاصات جلسات حوار محلية جرت في محافظة دير الزور، جمعت فاعلين من ضفتي الفرات، وأتاحت التقاط مواقف المجتمع إزاء قضايا شديدة الحساسية، من دمج المؤسسات وإصلاح القطاع الأمني، إلى بناء الثقة واستعادة الحوكمة المحلية، في لحظة بات فيها اتفاق 10 آذار موضوع اختبار فعلي لا مجرد نص سياسي.
دير الزور| المشهد المحلي وحدود المقاربات العامة
لا يمكن مقاربة دير الزور بمعزل عن موقعها الجغرافي ودورها التاريخي في معادلة الدولة السورية، فالمحافظة تمتد على تماس مباشر مع الحدود العراقية، هذه الحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، عندها، تتقاطع المصالح الإقليمية مع حسابات السيطرة المحلية، فالحدود هي شريان حيوي للإمداد والتهريب وتداخل النفوذ، وأي مساعٍ لتطبيق الاتفاق تتجاهل البعد الإقليمي قد تدفع أطرافاً خارجية لتعطيل الاتفاق حمايةً لمصالحها، لذا، فإن نجاح الاتفاق مرهون بقدرته على تحويل دير الزور من “جسر نفوذ” للقوى الإقليمية إلى منطقة استقرار وطني تخدم مشروع بناء الدولة.
كما لا يمكن تجاوز واحدة من أكثر العُقد المركّبة في المشهد الحالي هناك، حيث تتقاطع ثلاثة مستويات من السلطة، سلطة الحكومة المؤقتة الساعية إلى استعادة دور ووظائف الدولة، وسلطة أمر واقع تشكّلت بفعل سنوات الصراع وتوازنات السيطرة، وسلطة اجتماعية محلية ما زالت تحاول إعادة تعريف نفسها بعد سنوات من التفكك والعنف، هذا التداخل يجعل الاتفاق أمام اختبار مضاعف في هذه المحافظة تحديداً، حيث لا يمكن فصل الترتيبات السياسية عن سؤال الشرعية ، ولا التعامل مع السيطرة العسكرية بمعزل عن المجتمع والقبول المحلي.
تجمع دير الزور بين الهشاشة الاجتماعية وتعدد الفاعلين المسلحين وغياب الثقة المتبادلة، ما يجعلها مساحة كاشفة لجدّية الاتفاق، لكنها بالمقابل تحمل مقومات فريدة تجعلها مرشحة لأن تكون “نقطة اختبار إيجابي”، إذا ما أُحسن التعامل مع واقعها المحلي، فهذه المحافظة مُثقلة بالتجارب والتناقضات واختبرت، تقريباً، سيطرةً لجميع القوى المتصارعة في المشهد السوري، والمجتمع هناك، على الرغم من الانقسامات، ما زال يحتفظ ببنى اجتماعية قادرة على الوساطة والضبط، وبذاكرة جمعية حذرة من عودة العنف، وبحساسية عالية تجاه أي صيغة إقصاء أو إعادة إنتاج للهيمنة.
يمثّل هذا السياق مختبراً حقيقاً للعلاقة التي يسعى الاتفاق إلى تأسيسها، والعلاقة المُختبرة هنا ليست بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية فقط، فما سيحدث في دير الزور لا يمكن عزله عن السؤال الأوسع المتعلق بشكل الدولة السورية القادمة، فإمكانية دمج المؤسسات، وإعادة ضبط الأدوار الأمنية، وضمان المشاركة السياسية، لن تُختبر هناك عبر القرارات المركزية وحدها، بل عبر كيفية تفاعلها مع مجتمع راكم خبرات قاسية من تغيّر السلطات وتبدّل الولاءات وغياب الاستقرار.
قراءة المجتمع المحلي كعدسة لفهم الاتفاق | حذر لا رفض
تبدو واضحة الفجوة بين الخطاب السياسي العام للاتفاق وبين الطريقة التي يُقرأ بها محلياً، فبالنسبة لعدد واسع من الفاعلين المحليين، لم يُستقبل اتفاق 10 آذار بوصفه لحظة سياسية فاصلة بقدر ما قُرئ كإطار عام يفتقر، حتى الآن، إلى إجابات عملية حول الأسئلة اليومية المتعلقة بالأمن، والإدارة، والخدمات، والتمثيل، هذا الحذر لا يعكس رفضاً للاتفاق بحد ذاته ولا ينطلق من موقف سياسي مضاد بل يعكس تجربة طويلة مع تفاهمات سابقة لم تترجم إلى تغييرات ملموسة في حياة الناس.
إن الخطورة الكامنة في الاتفاق لا تكمن فقط في تعقيد وعمومية بنوده، بل في “عنصر الزمن” والراهنية التي تحيط بعملية التنفيذ، ففي مرحلة انتقالية شديدة الحساسية وضمن بيئة مليئة بالتعقيدات، قد يتحول الفراغ الناتج عن المماطلة أو التأخر في الإجابات العملية التي تترجم التفاهمات السياسية إلى إجراءات ميدانية، إلى مساحة خصبة لنمو قوى التعطيل، ما يمنح الأطراف المتضررة من الاستقرار فرصة لإعادة التموضع، وقد يؤدي إلى انفجار الاحتقان المحلي المكبوت قبل أن يبدأ التطبيق الفعلي، لذا، فإن عامل الزمن هنا ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وقائية لمنع تحول المحافظة من “نقطة اختبار إيجابي” إلى ساحة صدام مفتوحة تقوّض الاتفاق من جذوره.
إن القلق السائد منذ إعلان بنود الاتفاق هو حول كيفية تنفيذ الاتفاق على الأرض، من يدير ماذا؟ وكيف يُقرّر هذا؟ وكيف تُحمى المجتمعات المحلية من أن تتحول إلى ساحة تنازع نفوذ جديدة؟ في هذا السياق، برزت مخاوف متكررة من أن يؤدي غياب آليات واضحة للمساءلة والمشاركة إلى إعادة إنتاج أنماط حكم مركزية أو أمنية، حتى وإن تغيّرت التسميات أو الواجهات.
تعكس المشاورات المحلية استعداداً مشروطاً للتعاطي الإيجابي مع الاتفاق شريطة أن يكون المجتمع المحلي شريكاً لا متلقياً، إذ أن أي مسار تطبيقي لن يكون قابلاً للاستدامة ما لم يترافق مع تمكين حقيقي للفاعلين المحليين، وإشراكهم في تحديد الأولويات، وضمان حد أدنى من الشفافية في إدارة الموارد والخدمات، وقتها، تتحول دير الزور من مجرد محافظة يشملها الاتفاق إلى فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد النزاع.
التمثيل السياسي | بين نص الاتفاق وشرعية القبول المحلي
يضع الاتفاق مسألة التمثيل والمشاركة السياسية في صدارة أولوياته، مؤكداً حق جميع السوريين في الانخراط في مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة، بعيداً عن الاعتبارات الدينية أو العرقية، غير أن هذا البند، على أهميته المعيارية، يواجه في دير الزور تحدياً عملياً يتجاوز الصياغات العامة، فالتمثيل هنا لا يُقاس بالإجراءات ولا يُرى بوصفه مسألة قانونية أو إجرائية فحسب، بل كقضية مرتبطة مباشرة بسؤال الشرعية وبمدى تعبيره عن المجتمع وقدرته على اكتساب قبول فعلي.
إن صيغ تمثيل مفروضة من أعلى، أو منقوصة الصلاحيات، ستؤدي إلى تعميق فجوة الثقة بين المجتمع والسلطة، لذلك، يُنظر إلى أي حديث عن مشاركة سياسية لا يترافق مع آليات واضحة للاختيار والمساءلة على أنه إعادة إنتاج لأشكال رمزية من التمثيل، لا تعكس فعلياً تنوّع دير الزور الاجتماعي ولا تعقيداتها العشائرية والمناطقية، هذه المخاوف تشير إلى اعتبار الشرعية الاجتماعية شرطاً مسبقاً لنجاح أي نموذج تمثيلي، لا نتيجة لاحقة له.
في هذا الإطار، لابد من مواجهة السؤال الحرج، كيف يمكن الانتقال من تمثيل قائم على موازين القوة أو الولاءات الظرفية إلى تمثيل يستند إلى قبول مجتمعي فعلي؟ الإجابات لم تكن موحّدة، ولن تكون، لكنها التقت عند فكرة مركزية مفادها أن التمثيل لا يمكن فصله عن إعادة بناء الثقة، ولا عن تمكين الهياكل المحلية من لعب دور حقيقي في صنع القرار، سواء على مستوى المجالس المحلية أو الأطر التشاورية الأوسع، بهذا الفهم، لا يصبح التمثيل هدفاً بحد ذاته، بل مدخلاً لإعادة بناء الثقة أو سبباً إضافياً لتآكلها، تبعاً لكيفية تطبيقه.
دمج المؤسسات | إعادة تنظيم أم إعادة إنتاج؟
يُعدّ بند دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا، بما فيها المعابر والموارد الاستراتيجية، أحد أكثر بنود الاتفاق حساسية، ففي الذاكرة السورية عموماً، ارتبطت مسألة “المؤسسات” وتحديداً خلال سنوات الصراع بتبدّل السلطة والسيطرة أكثر مما ارتبطت بتقديم الخدمات أو حماية القانون، لذلك، لا يُقرأ هذا البند محلياً بوصفه إجراءً إدارياً بحتاً، بل كتحوّل عميق في بنية المؤسسات والسلطة ومن يمتلك أدواتها على الأرض.
بالنسبة للمجتمع المحلي هناك مخاوف حقيقية من أن يتحول الدمج إلى عملية شكلية تُبقي موازين القوة على حالها، مع تغيير اللافتات فقط، إذ أن أي إعادة ترتيب للمؤسسات من دون إعادة تعريف أدوارها أو إخضاعها لمساءلة حقيقية، ستعمق الشعور بالتهميش وفقدان السيطرة المجتمعية، وفي دير الزور تحديداً، حيث تتداخل السلطات العسكرية مع البنى العشائرية والاقتصادية، يصبح أي دمج غير مدروس مصدراً محتملاً لاحتكاكات جديدة بدل أن يكون مدخلاً للاستقرار.
إن عملية دمج حقيقي تستدعي وضوح سلسلة القيادة والأوامر، وفصل الوظائف العسكرية عن المدنية، وضمان خضوع المؤسستين لمنظومة قانونية واحدة، لكن حتى مع هذه الشروط، فإن تطبيقها بمعزل عن الواقع المحلي، قد يفضي إلى نتائج عكسية، فالمجتمع في دير الزور لا يبحث عن “توحيد مؤسسات” بقدر ما يبحث عن مؤسسات يمكن الوثوق بها، قادرة على ضبط الأمن من دون تعسف، وإدارة الموارد من دون إقصاء، وتقديم الخدمات من دون تمييز.
وهكذا، يتحول دمج المؤسسات من اختبار تقني إلى اختبار سياسي واجتماعي بامتياز، فإما أن يُدار كعملية تدريجية تشاركية تعيد بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع، أو أن يُفرض كأمر واقع جديد يعمّق الانقسام ويقوّض فرص نجاح الاتفاق.
الأمن ووقف إطلاق النار | الاختبار اليومي للاتفاق
ينصّ الاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار في جميع الأراضي السورية، وهو بند يبدو، من حيث الصياغة، الأكثر وضوحاً والأقل التباساً، غير أن دير الزور تكشف سريعاً محدودية هذا الوضوح، إذ لا يُختبر وقف النار هنا بغياب الاشتباكات العسكرية الكبرى فحسب، بل بمدى قدرة الاتفاق على الحد من أنماط العنف المتناثرة، والاغتيالات، والانفلات الأمني، وتضارب المرجعيات المسلحة، في هذه المحافظة، لا يعني الأمن مجرد صمت البنادق، بل يعني استعادة حدّ أدنى من اليقين والأمان في الحياة اليومية.
يشكّل الأمن الهاجس الأول للمجتمع، ليس فقط بسبب استمرار التهديدات، بل بسبب غموض الجهة المسؤولة عن الحماية والمساءلة، هذا الغموض، الذي تراكم عبر سنوات من تعدد القوى المسيطرة، جعل السكان أكثر تشكيكاً في أي إعلان لوقف إطلاق النار لا يترافق مع آليات واضحة للتنفيذ والرقابة، فالاتفاق، من وجهة نظر محلية، لا يُقاس بتوقيعه، بل بقدرته على تقليص الخوف، وضبط السلاح، وتراجع أنماط العنف غير المعلنة، ومنع تحوّل دير الزور إلى ساحة صراع بالوكالة بين أطراف متنافسة.
وفي مسألة الأمن علينا الإجابة عن أسئلة كثيرة، أبرزها، كيف يمكن الانتقال من تعدد القوى الأمنية إلى منظومة واحدة، من دون خلق فراغ أمني أو إشعال صدامات جديدة؟ الإجابة ليست سهلة، لكن الجلسات المحلية تشير إلى أن أي مقاربة تتجاهل البعد المجتمعي للأمن ستظل قاصرة، مهما بدت متماسكة على الورق.
هكذا، يتحول بند وقف إطلاق النار من إعلان سياسي إلى معيار يومي لجديّة الاتفاق، فإذا نجح في دير الزور، حيث تتقاطع الهشاشة مع التعقيد، فإنه يفتح الباب أمام تعميم التجربة في مناطق أخرى، أما إذا تعثر هنا، فسيصعب إقناع السوريين بأن الاتفاق يمثل تحولاً حقيقياً في مسار الصراع.
عودة المهجرين | من التعهّد السياسي إلى الأمان الاجتماعي
إن بند ضمان عودة جميع المهجّرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم وتأمين حمايتهم من الدولة، يحمل من حيث المبدأ وعداً بإغلاق أحد أكثر فصول الصراع السوري إيلاماً، غير أن هذا الوعد، في محافظة مثل دير الزور، لا يُختبر عبر الإعلان عنه، بل عبر القدرة على معالجة شبكة معقّدة من المخاوف الأمنية، والنزاعات على الملكية، والذاكرة المثقلة بالعنف والانتهاكات، هنا، لا تعني العودة مجرد حركة سكانية، بل إعادة تركيب نسيج اجتماعي تصدّع على مدى سنوات.
إن مسألة العودة تُقابل بتوق حذر أكثر منها بتفاؤل مباشر، فالعديد من المهجّرين لا يربطون قرار العودة بوجود سقف سياسي جديد بقدر ما يربطونه بتوافر ضمانات ملموسة، خدمات عادلة، أمن فعلي، آليات واضحة لحل النزاعات، وحماية من الانتقام أو التهميش، في دير الزور، حيث شهدت بعض المناطق تغيّرات ديموغرافية قسرية وتداخلت السيطرة العسكرية مع المصالح الاقتصادية، تصبح العودة غير المدروسة مصدراً محتملاً لتوترات اجتماعية جديدة، بدل أن تكون مدخلاً للاستقرار.
إن فشل معالجة البعد الاجتماعي للعودة غالباً ما يقوّض أي مسار سياسي قائم، فالحماية القانونية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها إذا لم تترافق مع مصالحة مجتمعية، وإعادة بناء الثقة، وضمان حدّ أدنى من العدالة المحلية، هذا ما تلتقطه بوضوح النقاشات المحلية في دير الزور، حيث برزت الحاجة إلى مقاربات تدريجية للعودة، تراعي خصوصية كل منطقة، وتمنح المجتمع دوراً في تنظيم هذا المسار بدل فرضه من الأعلى.
في هذا السياق، تتحول عودة المهجّرين إلى معيار مركزي لجدّية الاتفاق، فنجاح هذا البند لا يعني فقط عودة السكان إلى منازلهم، بل يعني قدرة الاتفاق على ملامسة الجراح المفتوحة للسوريين، والتعامل معها بوصفها جزءاً من الحل، لا كملف مؤجل ومرتبط بتهيئة وإعمار البنى التحتية فقط.
الموارد والاقتصاد المحلي | من السيطرة إلى العدالة في التوزيع
تمثّل حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية في دير الزور أحد أكثر عناصر الاتفاق جدلاً، ليس فقط لقيمتها الاقتصادية، بل لدورها الرمزي في تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع المحلي، فعلى مدى سنوات، ارتبطت هذه الموارد في الوعي الجمعي للسكان بمنطق السيطرة لا بمنطق التنمية، وبالحرمان لا بتوزيع العائدات، ما جعل أي حديث عن دمجها ضمن إدارة الدولة محمّلاً بتوقعات مرتفعة ومخاوف عميقة في آن واحد.
تعكس المشاورات إدراكاً واسعاً بأن إدارة الموارد ستكون الاختبار الأكثر وضوحاً لجدّية الأطراف، فالمجتمع في دير الزور لا ينظر إلى النفط والغاز باعتبارهما أصولاً سيادية مجردة، بل بوصفهما مورداً كان يمكن، لو أُدير بشكل عادل، أن يخفف من حدة الفقر والتهميش الذي راكمته سنوات الحرب، لذلك، يسأل المجتمع المحلي، هل سيقود دمج الموارد إلى إعادة إنتاج نمط مركزي في الإدارة، أم إلى نموذج يضمن حدّاً من العدالة والشفافية ويعيد ربط الموارد بالتنمية المحلية؟
إن إدارة الموارد الطبيعية غالباً ما تكون عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل الاتفاقات السياسية، ففي غياب آليات واضحة لتوزيع العائدات، ومشاركة المجتمعات المحلية في الرقابة وتحديد الأولويات، تتحول الموارد إلى مصدر صراع مستدام، حتى في ظل تسويات سياسية رسمية، وهذا ما يفسر القلق المحلي في دير الزور من أن يتحول دمج حقول النفط والغاز إلى عملية إدارية مغلقة، لا تنعكس آثارها على حياة الناس.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل ملف الموارد عن بقية بنود الاتفاق، فالأمن، والتمثيل، وعودة المهجّرين، جميعها تتقاطع مع سؤال الاقتصاد وفرص العيش، وإذا كانت دير الزور مرشحة لأن تكون نقطة اختبار للاتفاق، فإن إدارة مواردها بعدالة وشفافية ستكون المعيار الأكثر إقناعاً للمجتمع بأن الاتفاق ليس مجرد إعادة ترتيب للسلطة، بل بداية لمسار مختلف في العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
دير الزور كساحة حسم | هل تنجح التجربة أم يتعثر الاتفاق؟
يظهر اتفاق 10 آذار في دير الزور كفرصة تاريخية مثقلة بالمحاذير، إن الرسالة النهائية التي تبرز من قلب المشهد هي أن الاتفاق لن يحسم استقرار دير الزور من الأعلى بـ “التوقيع المركزي” وحده، بل بمدى شجاعة الأطراف في منح المجتمع المحلي دور الشريك الفعلي، وتحويل المؤسسات من أدوات هيمنة إلى ركائز للعدالة والتنمية.
دير الزور هي اليوم الاختبار العملي والميداني الحقيقي لصدق النوايا، فهي لا تختبر بنود الاتفاق فحسب، بل تختبر نمط التفكير الذي يقف خلفه، وإن نجاح الاتفاق هناك لن يكون نجاحاً محلياً محدود الأثر، بل مؤشراً على إمكانية تعميمه وطنياً، فالمحافظة تجمع، في آن واحد، تعقيدات السيطرة، وهشاشة النسيج الاجتماعي، وثقل الموارد، وحساسية الأمن، وهي عناصر نادراً ما تجتمع بهذا القدر في مساحة واحدة، لذلك، إذا أديرت كمختبر سياسي واجتماعي واعٍ، قد تفتح مساراً جديداً في كيفية إدارة التعدد والسيطرة وإعادة بناء الدولة في سوريا، أما إذا عوملت كملف تقني أو أمني معزول، فإنها قد تكشف سريعاً حدود الاتفاق، وتعيد إنتاج الفجوة بين ما يُتفق عليه سياسياً وما يُعاش فعلياً على الأرض.
إن المجتمع في دير الزور لا يطالب باتفاق مثالي، بل باتفاق قابل للعيش، اتفاق ينعكس على الأمن اليومي، ويعيد تعريف العلاقة مع المؤسسات، ويمنح التمثيل معنى يتجاوز الشكل، ويحوّل الموارد من أدوات نفوذ إلى رافعة للتنمية، هذه الشروط لا تُستكمل عبر النصوص وحدها، بل عبر مقاربات تنفيذية تدريجية تعترف بخصوصية المكان، وتتعامل مع المجتمع بوصفه شريكاً لا ساحة اختبار صامتة.



