نينار خليفة
تعيش محافظة دير الزور حالة من الغليان الشعبي غير المسبوق عقب سلسلة من قرارات الإفراج عن شخصيات كانت محسوبة على المنظومة الأمنية والميليشيات التابعة لنظام بشار الأسد.
هذه الإفراجات ألقت بأهالي دير الزور في موجة استياء وغضب شديدين، منذ أيلول/سبتمبر الماضي، إذ رأوا فيها استمراراً لمسار الإفلات من العقاب على حساب حقوق الضحايا الذين لم تندمل جراحهم بعد، وتبييضاً لسجلات متورطين بانتهاكات طالت أبناء المحافظة طوال سنوات الحرب المتعبة، متسائلين كيف تُطبخ صفقات الإفراج خلف الكواليس بعيداً عن أيّ شفافية ودون ردّ اعتبارٍ للضحايا؟
تزامن ذلك مع عودة بعض المفرج عنهم إلى مواقع نفوذٍ داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، واستمرار الحكومة باحتجاز معارضين وقادة ميدانيين سابقين دون توجيه تهمٍ واضحةٍ لهم، ما أعاد إلى الواجهة ملف العدالة الانتقالية المعلّق.
وفي الوقت الذي كان الأهالي يحاولون النهوض من جديد ونفض غبار سنوات الحرب ورأب ندوبها، جاءت هذه الإفراجات لتحبط تطلعاتهم بمرحلة تعيد بناء النسيج الاجتماعي، وليجدون أنفسهم أمام تحدياتٍ أمنيةٍ تكشف عمق الفجوة بين الواقع والآمال.
رسائل احتجاج الأهالي ومخاوفهم
تصف منسقة منظمة رؤيا للسلام، هدى الحمود الخالدي، مآلات عمليات الإفراج على المجتمع المحلي بقولها: “أثّر ذلك بشكل كبير على الأهالي وجعلهم يعيشون حالة إحباط من الحكومة الجديدة وعدم ثقة بكل ما تقوله وتصدره من قوانين وأحكام، ولم يعودوا يمتلكون الشغف الذي شعروا به عند بداية التحرير بسبب حالات الإحباط المتكررة”.
تضيف: “يوجد فجوة كبيرة حالياً بين الشعب والحكومة تذكرني بفترة حكم الإدارة الذاتية وما كانت تمارسه من تهميش وإقصاء، وكذلك الوضع حالياً لا يوجد ثقة من قبل المجتمع المحلي بالحكومة”.
وكانت قوى الأمن الداخلي قد ألقت القبض على هذه الشخصيات في حملات أمنية أعقبت سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، قبل أن يُخلى سبيلهم مجدداً “بعد تحقيقات غابت فيها الأدلة التي تثبت تورطهم بجرائم”، وفقًا لبيان أصدرته مديرية الأمن الداخلي في دير الزور، داعيةً الأهالي إلى “المساعدة في جمع المعلومات والأدلة والوثائق التي تثبت تورط مجرمي الحرب وتقديمها للجهات المختصة”.
ومع تكرار الإفراجات عن شخصيات مثل: مدلول العزيز، عمار الأحمد، خالد السرحان، محمد الغضبان وغيرهم، ازدادت الدعوات الشعبية لمحاكمة المتورطين أمام القضاء مهما كان موقعهم، وإلغاء أي تسويات لا تستوفي معايير عدالة انتقالية حقيقية تضمّد الجراح وتؤسّس لدولة القانون، محذّرين من إعادة تدوير وجوه قديمة تفتح الباب أمام دورات عنف جديدة.
ترى الأديبة والناشطة، سميرة بدران، أن بعض الشخصيات المفرج عنها كانت سبباً في جزء كبير من معاناة دير الزور على مدى خمسة عشر عاماً، معتبرة أنهم كانوا “أسلحة بيد النظام البائد لتدمير البنية التحتية المجتمعية والدينية والأخلاقية”.
وتضيف: “هم قوّاد ميليشيات ارتكبت فظائع من قتل وتهجير وكتابة تقارير في الكثير من الثوار الذين قضوا في السجون والفروع الأمنية، كما احتكروا مقدّرات المدينة ونشروا المخدرات والحشيش، ودعموا التعفيش والسرقة والفساد الأخلاقي الذي غيّر الكثير من ديمغرافية دير الزور حتى أصبحت بؤرة لكل ما هو فاسد”.
ويخشى الأهالي أن يعيشوا ما عاشوه خلال سنوات النزاع من ذلّ وقهر وعجز وفقر بسبب خروج هؤلاء المتهمين، “فمن أمن العقاب تطاول وعاد إلى سابق عهده”، وفقاً لسميرة، وذلك بعد أن تأمّلوا الخير في التحرير وخلاصهم من ذيول النظام السابق.
وتحذّر سميرة من أن “يطبّق أهالي الضحايا (عدالة انتقامية) في ظل إهمال الحكومة لمطالبهم المحقّة، وهو أمر سيعود بالخراب أكثر على الحالة الأمنية والمجتمعية في المدينة”.
وأشارت إلى أن المجتمع اليوم في دير الزور يفور من الغضب بسبب تلك التسويات، وقد عبّر عن ذلك من خلال مظاهرات ترفض إخراج المجرمين وتطالب بالعدالة الانتقالية على أصولها ولا تقبل بأنصاف الحلول، كما ترجمت نساء الدير رفضهنّ لهذه التسويات من خلال اعتصامات منددة لهذا الفعل، وكنّ واضحات في مطالبهنّ “العدالة لأبنائهنّ والقصاص من المجرمين”.
بدورها تؤكد منسقة منظمة رؤيا للسلام، هدى الخالدي، مطالب أهالي ديرالزور بتقديم المتورطين لمحاكمات عادلة تضمن عودة الحقوق لآلاف الأمهات اللواتي خسرن أبناءهنّ بسببهم، لافتةً إلى أن أهم تخوفات الشارع حالياً “رجوع هذه الشخصيات إلى مراكز صنع القرار والمراكز الإدارية، وهو ما تمّ بالفعل من خلال وجود رموز للنظام السابق في عدة مؤسسات حكومية، إضافة لظهور الانتقامات الفردية وإشاعة الفتنة العشائرية خصوصًا في مناطق الأرياف ذات الطبيعة العشائرية”.
وكان محافظ دير الزور، غسان السيد أحمد، أعرب عن استيائه العلني من قرارات الإفراج التي اتخذتها وزارة الداخلية، مشيراً إلى أن بعض المفرج عنهم متورطون بجرائم مثبتة، واقترح المحافظ نفي هؤلاء المتورطين خارج المحافظة كحل مؤقت لتجنب الصدامات ومنع انفجار شعبي لا تُحمد عقباه.
انعكاس الإفراجات على النسيج المجتمعي والسلم الأهلي
يحذّر ناشط حقوقي من دير الزور (فضّل عدم الكشف عن اسمه)، من أن عدم محاسبة المجرمين، سوف يعيق الاستقرار الأمني ويجعل أصحاب الدم والمتضررين يلجأون إلى تصفية حساباتهم عبر طرق يعتبرونها نوعاً من استرداد الحقوق التي عجز القضاء والأجهزة الأمنية عن مساعدتهم للوصول إليها.
ويقول بهذا الصدد: “ستزداد حدة التوترات ضمن المجتمع العشائري وذلك لخيبة الأمل التي وصل إليها أصحاب الحقوق، خاصة بعد أن احتفل البعض بخروج شخصيات مرتبطة بالنظام البائد ولديها سجل حافل بالإجرام مثل مدلول العزيز، في ظل وجود الطرف الآخر من أبناء العشائر والمدينة الذين تضرروا من النظام وأذنابه، وهو ما يهدد السلم الأهلي ويخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار”.
ويتابع: “لقد مكّنت هذه الصفقات بعض رموز النظام البائد من الالتفاف على القانون والحقوق من خلال أموالهم التي جمعوها من التعفيش وتجارة المخدرات وابتزاز ذوي الضحايا”.
وفي الحالات التي حاول ذوو الضحايا رفع دعاوى قضائية ضد شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، طُلب منهم تقديم أدلة رغم معرفة القضاء بخلفيتهم وإجرامهم، وفق رواية الناشط الحقوقي، مشيراً إلى أن عدم وضوح آلية عمل هيئة العدالة الانتقالية، وغياب تطبيق أدنى القواعد الجزائية بحق المجرمين جعل أكثرية المتضررين يحجمون عن اللجوء إلى القضاء لعدم نزاهته. ويُدرج مثالًا على ذلك، “ضبابية محاسبة رئيس فرع أمن الدولة سابقاً، دعاس دعاس، المتهم بقتل وتعذيب وتغييب الآلاف من أبناء دير الزور، إضافة لبعض الشخصيات المرتبطة بالبعث والمليشيات التي قتلت وهجرت العديد من أبناء المحافظة خلال فترة حكم نظام الأسد”.
الآلية القانونية والتبريرات الرسمية
يوضح المحامي، خالد الحويج، الذي أجرى دراسات في القانون الجنائي الدولي والعدالة الجنائية وبرنامج التخطيط الاستراتيجي في الاحتكام إلى القضاء بالجامعة الأمريكية، الأساس القانوني الذي يتمّ الاستناد إليه بعمليات الإفراج عن شخصيات تابعة للنظام السابق الحاصلة في دير الزور، مبيناً أن الإفراجات تصدر غالباً عن وزارتي العدل أو الداخلية في الحكومة الانتقالية، وتعتمد على قوانين جزائية عامة، إذ لا يوجد حتى الآن قانون عدالة انتقالية شامل ومكتمل، كما أن مجلس الشعب لم يُشكّل بعد، ولا يزال الإطار التشريعي في طور الترميم.
ويشير إلى أن الإفراجات ناجمة عن قرارات إدارية أو عفو جزئي أو مؤقت، أو تأتي لاعتبارات تسوية أمنية غالباً ما تُبرّر بضغوط داخلية أو دولية، أو بهدف تهدئة المناطق وتشجيع إعادة الإعمار والاستقرار، ولتبرير الإفراج يتم الاستناد أو التذرّع بـ “عدم وجود مدّعين شخصيين” أو “عدم كفاية الأدلة”، أو “انتهاء التحقيقات الأولية”.
وتشمل الاتهامات الشائعة ضد المفرج عنهم ارتكابهم انتهاكات بحق المدنيين في دير الزور خلال سنوات الثورة: “جرائم حرب”، و”جرائم ضد الإنسانية” (قتل، تعذيب، اعتقال تعسفي، قمع الاحتجاجات)، والارتباط بميليشيات تابعة للنظام السابق مثل الدفاع الوطني، والتعاون الأمني أو الوشاية.
ويُبيّن المحامي خالد الحويج أنه ليست كل الاتهامات مثبتة قضائياً بشكل نهائي، إذ إن بعضها يعتمد على شهادات شعبية أو تقارير حقوقية، ورغم تركيزها على أن هؤلاء مجرمون معروفون إلا أن الإجراءات القضائية لم تكتمل بعد.
وفي ظل عدم وجود ردٍّ رسمي معلن لتبرير الإفراجات في هذا التوقيت الحساس، يعتقد الحويج أنها تبدو “جزءاً من سياسة تهدئة في المناطق الشرقية لإعادة الاستقرار، فضلاً عن طبيعة العلاقات العشائرية والخشية من تأليب أفراد القبائل التي ينتمي إليها هؤلاء، أو بهدف إعادة فتح المؤسسات والحد من الفوضى الأمنية مع وجود تهديدات من خلايا داعش أو نزاعات عشائرية، كما أن بعض المفرج عنهم عادوا لأداء أدوار اقتصادية أو إدارية محلية (شراكة في موارد النفط أو التجارة)”.
الإفراج ليس صك براءة دائم
للتعامل مع ردود الفعل الشعبية الغاضبة يسعى مسؤولون في الحكومة الانتقالية إلى عقد لقاءات مع وجهاء وتجمعات مثل “تجمع ثوار دير الزور”، ويتعهدون بالمتابعة والمحاسبة، وبأن القانون فوق الجميع ولا حماية لمجرم، إلا أن الضمانات الأمنية لفرض الاستقرار ومنع وقوع عمليات انتقام ضد المفرج عنهم ضعيفة حالياً، وفق الحويج، إذ تزيد عمليات الإفراج مخاطر الانتقام (تصفيات فردية أو فوضى عشائرية).
ويوضح الحويج أن الإفراج ليس حكمًا نهائيًا بالبراءة، ففي حال ظهور أدلة جديدة أو شكاوى رسمية من ضحايا يمكن إعادة فتح الملفات، كما أن الحق العام لا يسقط بالتقادم أو بعفو شخصي.
أما الجهات القضائية المخوّلة بمحاسبتهم مستقبلاً، فهي القضاء السوري (محاكم جزائية) أو محاكم خاصة بالعدالة الانتقالية عند تشكل إطار كامل (قانون + لجان تحقيق + محاكم).
ويؤكد الحويج أن هذه الإفراجات تُضعف الثقة في مسار العدالة الانتقالية، وتُرى كـ “تفويت للعدالة أو تحالف مع مجرمين لشراء الاستقرار”، ما يهدد بفوضى أمنية أو احتجاجات مستمرة، مضيفًا: “الوضع حساس جدًا، التوازن بين الاستقرار والعدالة صعب في مرحلة انتقالية، الاستمرار في تجاهل الغضب الشعبي قد يفاقم الأزمة بينما الشفافية والمحاسبة الحقيقية قد تساعد في إعادة الثقة”.
توصيات مقترحة للخروج من الأزمة:
من أجل كسر حالة الاستياء المجتمعي وتحقيق استقرار مستدام في دير الزور لابدّ من تعزيز مسار العدالة الانتقالية بصورة جدية وفعّالة. ويشمل ذلك تفعيل دور لجان هيئة العدالة الانتقالية في المحافظة لاستقبال شكاوى الأهالي، والاستماع إلى الضحايا، وجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال السنوات الماضية، مع ضمان الحماية القانونية للمشتكين والشهود.
كما ينبغي إعادة فتح ملفات المفرج عنهم في حال ظهور أدلة جديدة، وضمان إمكانية إعادة المحاكمات وفق إجراءات قضائية عادلة بعد إجراء الإصلاحات القضائية التي تمكّن القضاء الوطني من التعامل مع الجرائم الدولية، باعتبار أن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لا تسقط بالتقادم.
كما يجب إقرار المتورطين بمسؤوليتهم أمام القضاء، وتقديم اعتذارات علنية للضحايا وعائلاتهم، والعمل على جبر الضرر من خلال تعويضات مادية ومعنوية، بالتوازي مع ضمانات عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلًا.
إضافة إلى ذلك، يجب توسيع نطاق المساءلة ليشمل جميع الأطراف التي ارتكبت انتهاكات، سواء من النظام السابق أو أي جهات أخرى، دون استثناء، مع استمرار الإجراءات القضائية بحق المتورطين إلى حين صدور أحكام قضائية نهائية.
وأخيرًا، التأكيد على ضرورة تعزيز الشفافية والمصداقية في إدارة ملف الإفراجات، ورفض أي صفقات غير معلنة، واعتماد سياسة واضحة تقوم على مبدأ “عدم الإفلات من العقاب”، بما يسهم في استعادة ثقة المجتمع المحلي تدريجياً بالمؤسسات القائمة.
إن تبني مقاربة قائمة على العدالة الانتقالية والشفافية والمساءلة الشاملة من شأنه أن يخفف من حالة الاحتقان في المجتمع المحلي، ويعيد بناء الثقة بين الأهالي والسلطات، ويؤسس لمسار استقرار مستدام قائم على مبدأ عدم الإفلات من العقاب واحترام حقوق الضحايا.



