بين التسعير والفيضان: كيف تتفاقم أزمة مزارعي القمح في شرق سوريا؟

محمد علبي

دخل موسم القمح لعام 2026 محملاً بقدر من التفاؤل لم تشهده سوريا منذ سنوات. فقد بدت المساحات المزروعة أفضل نسبياً من مواسم سابقة، وارتفعت الهطولات المطرية إلى نسب قياسية، وراهن كثيرون على أن يساهم تحسن الإنتاج في تخفيف الضغوط المعيشية وتعزيز الأمن الغذائي في بلد ما يزال يواجه واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والإنسانية في العالم. غير أن الأشهر القليلة التي سبقت الحصاد كانت كافية لتحويل تلك الآمال إلى مصدر جديد للقلق، مع تصاعد الجدل حول أسعار شراء القمح من جهة، وارتفاع منسوب نهر الفرات وما رافقه من أضرار واسعة في الرقة ودير الزور من جهة أخرى.

وتأتي هذه التطورات في ظرف شديد الحساسية. فبحسب بيانات قطاع الأمن الغذائي في سوريا، يعاني نحو 13.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة [1]. وفي الوقت نفسه، اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص مساعداته الغذائية في البلاد إلى نحو النصف نتيجة النقص الحاد في التمويل [2]. وفي ظل هذا الواقع، تزداد أهمية كل طن من القمح يُنتج محلياً، وتتجاوز قضية الزراعة حدود النشاط الاقتصادي لتصبح جزءاً من معادلة الاستقرار الاجتماعي والأمن الغذائي.

وتشير التقديرات إلى أن سوريا تحتاج سنوياً إلى نحو 2.5 مليون طن من القمح لتلبية احتياجاتها الأساسية [3]. كما حذرت تقارير الأمن الغذائي من استمرار الضغوط المناخية والاقتصادية التي تواجه القطاع الزراعي [4]. ورغم ذلك، وصلت مساحات القمح المزروعة ضمن الخطة الزراعية للموسم الحالي إلى نحو 86% من المساحات المستهدفة، ما عزز الآمال بإمكانية تحقيق محصول أفضل نسبياً مقارنة ببعض السنوات السابقة [5].

لكن الموسم سرعان ما وجد نفسه في قلب جدل اقتصادي واسع، قبل أن يواجه لاحقاً اختباراً أشد قسوة فرضته الطبيعة.

القمح في قلب معادلة الأمن الغذائي

يحمل القمح مكانة خاصة في الاقتصاد السوري يصعب مقارنتها بأي محصول آخر. فإلى جانب دوره في تأمين المادة الغذائية الأساسية لمعظم الأسر السورية، يشكل مورداً رئيسياً لدخل عشرات آلاف العائلات الزراعية، وخاصة في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور التي تُعد الخزان التقليدي للحبوب في البلاد.

ولذلك فإن أي تغيير يطرأ على إنتاج القمح أو على الحوافز الاقتصادية المرتبطة بزراعته ينعكس سريعاً على مستويات الدخل المحلية والأسواق وسلاسل الإمداد الغذائية. كما أن تأثيره لا يبقى محصوراً في المناطق المنتجة، بل يمتد إلى كامل البلاد بحكم الدور المركزي الذي يؤديه القمح في منظومة الغذاء السورية.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية إضافية في السنوات الأخيرة، مع تراجع القدرة الشرائية للأسر، وارتفاع معدلات الفقر، وتراجع المساعدات الدولية. ففي مثل هذه الظروف، تتحول القدرة على الحفاظ على الإنتاج المحلي إلى عنصر أساسي في تخفيف الضغوط الاقتصادية وتقليص الاعتماد على الواردات والمساعدات الخارجية.

جدل التسعير وحسابات المزارعين

بدأت الأزمة عندما أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة سعر شراء القمح للموسم الحالي عند 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن [6]،[7]. وبالنسبة لصانعي القرار، جاء السعر في إطار اعتبارات مالية تتعلق بإدارة الموارد العامة وضبط الإنفاق. أما بالنسبة لكثير من المزارعين، فقد بدا الرقم بعيداً عن الواقع الذي يواجهونه يومياً في الحقول.

فخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت تكاليف البذار والأسمدة والمحروقات وأجور النقل والري والصيانة بصورة ملحوظة. وتشير تقارير وشهادات ميدانية إلى أن أسعار بعض مستلزمات الإنتاج باتت تُحتسب فعلياً وفق أسعار السوق الإقليمية أو العالمية، فترتبط بسعر الصرف وتقلباته الحادة مؤخراً، بينما تشتري الدولة المحصول حسب الأسعار المحلية ووفق سعر صرفٍ مُحددٍ سلفاً، في الوقت عينه يعمل المزارع ببيئة تتسم بارتفاع المخاطر وضعف أدوات الحماية، مما أدى إلى احتجاجاتٍ واسعة بين المزارعين [9]–[11]. وتُظهر الأدبيات الاقتصادية الزراعية أن استدامة الإنتاج ترتبط بوجود هامش اقتصادي يساعد المنتجين على مواجهة المخاطر المرتبطة بالطقس والأسعار والخسائر المحتملة خلال الموسم.

وأمام موجة الاعتراضات التي شهدتها مناطق عدة، صدر مرسوم رئاسي بمنح مزارعي القمح مكافأة إضافية قدرها 9 آلاف ليرة سورية جديدة للطن [12]. وقد ساهم القرار في تخفيف حدة الاحتقان، لكنه لم ينهِ النقاش حول جوهر المشكلة، كما استهجن كثيرٌ من المزارعين منطق «المِنح والمكارم الرئاسية» بينما هم يُطالبون بما يعتبرونه حقاً أصيلاً لهم.

كما بقي السعر النهائي بعيداً عن المستويات التي طالبت بها قطاعات واسعة من المزارعين والفعاليات الزراعية. فبينما رفع القرار الرئاسي القيمة الإجمالية للطن إلى نحو 55 ألف ليرة سورية جديدة، استمرت المطالبات بتسعير القمح على أساس يعكس بصورة أفضل تكاليف الإنتاج المتزايدة ومخاطر الزراعة خلال الموسم، وقدّرت بعض الطروحات السعر العادل بمستويات أعلى تتراوح بين 450 و550 دولاراً للطن وفقاً لتكاليف الإنتاج السائدة في المناطق الزراعية الرئيسية [9]. ولذلك خفف القرار من حدة الأزمة السياسية والاجتماعية المحيطة بالتسعير، لكنه لم يبدد الشعور لدى كثير من المزارعين بأن الفجوة ما تزال قائمة بين السعر المعتمد والواقع الاقتصادي الذي يعملون ضمنه.

إن تكرار الجدل نفسه في أكثر من موسم يعكس حاجة ملحة إلى تطوير آلية أكثر استقراراً وشفافية وتشاركية [7] لتسعير المحاصيل الاستراتيجية، بحيث تصبح القرارات الزراعية جزءاً من سياسة اقتصادية متماسكة، لا ملفاً يُعاد فتحه كل عام تحت ضغط الاعتراضات.

ولم يقتصر الجدل على مستوى السعر وحده. فقد أظهرت شهادات مصورة متداولة لمزارعين شكاوى تتعلق بصعوبات واجهوها أثناء تسويق محاصيلهم للدولة، تمثلت في رفض الأخيرة استلام بعض الكميات أو تأخير قبولها لأسباب مرتبطة بمعايير فنية أو تصنيفات جودة أو إجراءات تنظيمية مختلفة.  كما لا تبدو أجور الحصاد بمعزل أيضاً عن جدل التسعير القائم بحسب شهادات لمزارعين من دير الزور.

تحولات أوسع من مجرد سعر القمح

لا يمكن فصل الجدل حول القمح عن التحولات الأوسع التي شهدتها السياسة الاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية. وتبرزُ أدلة تشير إلى أن الأداء المالي للدولة خلال عام 2025 ارتبط بدرجة كبيرة بسياسات تقشفية الطابع، سواءً بضبط الإنفاق وتقليص بعض أشكال الدعم والإنفاق الاجتماعي والإنتاجي، إلى حد أنها أصبحت في بعض أوجهها مصدراً للريع بالنسبة للدولة [13].

وبالنسبة للقطاع الزراعي، تعني هذه التحولات انتقال جزء أكبر من الأعباء إلى المنتجين أنفسهم. فكل تراجع في الدعم الموجه لمستلزمات الإنتاج أو الخدمات الأساسية ينعكس مباشرة على تكلفة الزراعة، ويقلص قدرة المزارعين على امتصاص الصدمات الاقتصادية أو المناخية.

ولا تظهر آثار هذه السياسات دائماً بصورة مباشرة أو فورية، لكنها تتراكم مع مرور الوقت. فالمزارع الذي يواجه تكاليف أعلى وهوامش ربح أقل يصبح أكثر حساسية لأي تغير في الأسعار أو العوامل المناخية أو الأسواق. ومع كل موسم جديد، تتراجع قدرته على تجديد معداته أو تطوير إنتاجه أو تحمل الخسائر الطارئة، مما يتهدد مستقبلهُ ومُستقبل الزراعة في البلاد أيضاً.

ومن هنا تحديداً برزت هشاشة القطاع الزراعي في شرق سوريا. فقد جاءت الأزمة في لحظة كانت فيها قدرة كثير من المنتجين على المناورة محدودة أصلاً، وهو ما جعل أي صدمة إضافية أكثر تأثيراً مما كانت عليه في ظروف مختلفة.

عندما ارتفعت مياه الفرات

بينما كانت النقاشات حول أسعار القمح لا تزال مستمرة، بدأ منسوب نهر الفرات بالارتفاع في أجزاء واسعة من الرقة ودير الزور. وسرعان ما تحولت القضية من جدل اقتصادي إلى أزمة ميدانية طالت بعض الأراضي الزراعية والمحاصيل والبنية التحتية ومصادر الدخل في المنطقة [14]،[15].

وأصابت المياه مساحات واسعة من الأراضي الواقعة على ضفاف النهر والجزر النهرية والحوايج، وهي من أكثر المناطق خصوبة في شرق سوريا. كما تعرضت بعض المحاصيل القريبة من الحصاد للتلف الجزئي أو الكامل، في وقت كان المزارعون ينتظرون فيه بدء عمليات التسويق واسترداد جزء من استثماراتهم وأتعابهم [16]،[17].

ومن خلال رصدنا للأرقام الحكومية والمنظمات الإنسانية العاملة، بلغت المساحات الزراعية المتضررة من الفيضان نحو 26 ألف دونم، وتشير البيانات ذاتها أيضاً إلى تضرر 3040 أُسرة و706 منازل  في دير الزور وحدها، بالإضافة إلى تقارير إعلامية تحدثت خروج عدد كبير من محطات المياه ومحركات الري عن الخدمة [16]–[19]. كما لحقت أضرار بطرق زراعية ومنشآت خدمية يعتمد عليها النشاط الاقتصادي المحلي، ما يعكس الحجم الكبير للضرر الذي أصاب النشاط والأُسر الزراعية في المنطقة.

وامتدت الخسائر إلى الثروة الحيوانية ومخازن الأعلاف والمراعي وبعض مشاريع الاستزراع السمكي، ما وسّع دائرة المتضررين لتشمل شرائح مختلفة من العاملين في الاقتصاد الريفي [14]، [15]، [20].

لكن الجانب الأكثر تعقيداً تمثل في الأضرار التي أصابت أدوات الإنتاج نفسها. فخسارة المحصول تمثل ضربة قاسية لأي مزارع، إلا أن خسارة المضخات ومحركات الري والمنشآت الزراعية تضعف أيضاً قدرة التعافي في الموسم التالي. وهنا تتحول الأزمة من خسارة موسمية إلى مشكلة قد تستمر آثارها لسنوات.

ما وراء الخسائر المباشرة

تكشف الفيضانات الأخيرة عن جانب غالباً ما يغيب عن النقاشات العامة حول الكوارث الطبيعية. فالأزمة لا تُقاس فقط بعدد الدونمات التي غمرتها المياه أو بعدد المنازل المتضررة، وإنما أيضاً بقدرة المجتمعات المحلية على التعافي بعد انتهاء الكارثة.

وفي شرق سوريا، حيثُ تعتمد شرائح واسعة من السكان على الزراعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فإن تراجع الإنتاج الزراعي لا ينعكس على المزارعين وحدهم، بل يمتد إلى التجار والعمال الموسميين وقطاع النقل والخدمات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموسم الزراعي.

كما أن أي انخفاض في إنتاج القمح يضيف ضغوطاً جديدة إلى منظومة الأمن الغذائي الوطنية، خاصة في ظل استمرار مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي وتراجع المساعدات الإنسانية [1]،[2].

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة عندما تتزامن الضغوط الاقتصادية مع الصدمات المناخية. ففي هذه الحالة لا تتراكم الخسائر فحسب، وإنما تتراجع أيضاً قدرة المجتمعات المحلية على التعافي الذاتي، وهو ما يزيد الحاجة إلى تدخلات حكومية أكثر فعالية واستدامة.

ما المطلوب اليوم؟

تتطلب معالجة الأزمة الحالية أكثر من تعويضات مالية مؤقتة، على أهميتها. فالتعويض السريع عن المحاصيل المتضررة والأصول الزراعية المفقودة يمثل خطوة ضرورية للحفاظ على استمرارية النشاط الزراعي ومنع خروج المزيد من المنتجين من الدورة الاقتصادية. إلا أن المنطقة تحتاج إلى إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وخاصة محطات المياه وشبكات الري والطرق الزراعية، لأن استعادة القدرة الإنتاجية لا تتعلق بالمزارع الفرد وحده، بل تتعلق أيضاً بالبنية التحتية والبيئة الاقتصادية التي تسمح للزراعة بالاستمرار.

التجارب الدولية تشير إلى أن التعافي الحقيقي من الأزمات الزراعية لا يتحقق عبر التعويضات وحدها، فيجبُ معالجة الأسباب التي تجعل المزارعين أكثر هشاشة أمام الأزمات. وفي حالة سوريا، تبرز الحاجة إلى بناء منظومة زراعية تمنح المنتجين قدراً أكبر من اليقين والاستقرار، وتحد من انتقال المخاطر الاقتصادية والمناخية بالكامل إلى عاتقهم [21]،[22].

وتبدأ هذه المنظومة من سياسة التسعير نفسها. فالأدبيات الزراعية الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، وكذلك مراجعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تؤكد أن فعالية سياسات الشراء الحكومية يجب أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتكاليف الإنتاج الفعلية وقدرة المُنتِج على توفير عائد اقتصادي يسمح باستمرار النشاط الزراعي واستدامته. ولا تشمل هذه التكاليف البذار والأسمدة والمحروقات والري والنقل فقط. إذ لا يجبُ تغييب المخاطر التي يتحملها المزارع نتيجة تقلبات الطقس والأسعار والخسائر المحتملة خلال الموسم. ولذلك فإن تطوير آلية شفافة لتحديد أسعار القمح، تستند إلى بيانات محدثة عن تكاليف الإنتاج وتُعلن قبل بدء الموسم الزراعي بوقت كافٍ، سيمنح المزارعين قدرة أكبر على التخطيط واتخاذ قراراتهم الاستثمارية، كما سيقلل من حالة عدم اليقين التي رافقت المواسم الأخيرة [21]،[23].

ولا تقل آلية اتخاذ القرار أهمية عن السعر نفسه. فالدراسات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة والبنك الدولي تشير إلى أن إشراك المزارعين وأصحاب المصلحة في تصميم السياسات الزراعية يساهم في تحسين جودة القرارات ورفع فعاليتها وتعزيز القبول بها بين الفئات المتأثرة مباشرةً. ولذلك فإن تطوير قنوات مؤسسية منتظمة للحوار مع المزارعين واتحاداتهم ومنظماتهم المهنية قبل إقرار أسعار المحاصيل الاستراتيجية يمكن أن يساعد في بناء سياسات أكثر واقعية واستقراراً، كما يحد من الاحتقان الذي يتكرر مع كل موسم حصاد. فالمزارعون يمتلكون معرفة مباشرة بتكاليف الإنتاج والتحديات التشغيلية التي يواجهها القطاع، وإدماج هذه المعرفة في عملية صنع القرار يعزز من دقة السياسات وقدرتها على تحقيق أهدافها التنموية.

وفي الوقت نفسه، تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات أكثر فاعلية لإدارة المخاطر الزراعية. فالدروس المستخلصة من تجارب دول عديدة أظهرت أن الاقتصار على التعويضات بعد وقوع الكارثة غالباً ما يكون أكثر كلفة وأقل فعالية من بناء منظومات وقائية مسبقة. ولهذا السبب تدعو دراسات البنك الدولي المتعلقة بالتأمين الزراعي إلى اعتماد مزيج من الأدوات التي تشمل التأمين ضد الكوارث الطبيعية، وصناديق الطوارئ، وآليات تقاسم المخاطر بين الدولة والمنتجين والقطاع المالي [22]، ولا تهدف هذه الأدوات إلى تعويض الخسائر بالكامل، بقدر ما تهدف إلى منع تحول الصدمة المناخية الواحدة إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد تدفع المزارعين إلى تقليص الإنتاج أو الخروج من النشاط الزراعي نهائياً.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سوريا، حيث تشير التطورات الأخيرة إلى أن الفيضانات والجفاف وموجات الطقس المتطرفة لم تعد أحداثاً استثنائية يمكن التعامل معها بوصفها حالات طارئة نادرة. فالتغيرات المناخية تجعل هذه الظواهر أكثر تكراراً وأشد أثراً على الإنتاج الزراعي. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتعزيز قدرة المجتمعات الزراعية على التكيف مع المخاطر المناخية قبل وقوعها، وهو ما يشكل أحد المحاور الرئيسية في الأدبيات الدولية الخاصة ببناء القدرة على الصمود الزراعي(Agricultural Resilience).

وفي نهاية المطاف، لا ترتبط حماية الأمن الغذائي السوري بحجم القمح الذي تشتريه الدولة بعد الحصاد، وإنما يرتبط أيضاً بقدرتها على خلق بيئة تجعل زراعة القمح نشاطاً اقتصادياً قابلاً للاستمرار. فالمزارع الذي يعرف مسبقاً كيف سيُسعر محصوله، ويملك أدوات تساعده على مواجهة المخاطر، ويعمل ضمن بنية تحتية قادرة على الصمود، يكون أكثر استعداداً للاستثمار والإنتاج والاستمرار. أما في غياب هذه الشروط، فإن كل موسم زراعي جديد يبقى رهناً بتقلبات السوق والطقس والقرارات الآنية، وهو ما يضعف الإنتاج الزراعي ويزيد هشاشة الأمن الغذائي على المدى الطويل.

خاتمة

تكشف أزمة القمح والفيضانات في شرق سوريا عن التداخل العميق بين السياسات الاقتصادية والتنموية والواقع المناخي والأمن الغذائي. فقد دخل المزارعون الموسم في ظل ارتفاع مستمر في تكاليف الإنتاج، ثم واجهوا جدلاً واسعاً حول أسعار الشراء الحكومية، قبل أن يأتي ارتفاع منسوب مياه الفرات ليلحق أضراراً بالمحاصيل والبنية التحتية وأدوات الإنتاج في وقت واحد.

وتظهر هذه التطورات أن تحديات الزراعة السورية تتجاوز حدود موسم واحد أو أزمة عابرة. فالقضية تتعلق بقدرة البلاد على بناء بيئة إنتاجية مستقرة تمنح المزارعين الحوافز والأدوات اللازمة للاستمرار، وتوفر لهم حماية أفضل في مواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية المتكررة. ولا ينتهي ذلك بسياسات تسعير أكثر عدالة فحسب، وإنما يمتد بشكلٍ أساسيٍّ أيضأً إلى تطوير أدوات فعالة لإدارة المخاطر، وإلى ضرورة الإنفاق الاستثماري والتنموي على البنية التحتية الزراعية ورفع قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية. كما يتطلب توسيع مشاركة المنتجين في صياغة القرارات التي تمس نشاطهم بصورة مباشرة، بما يعزز جودة السياسات الزراعية ويقوي الثقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين في القطاع.

فالقمح في سوريا أحد ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وما جرى على ضفاف الفرات خلال الأشهر الماضية يطرح سؤالاً يتجاوز حدود الحصاد الحالي: كيف يمكن بناء قطاع زراعي أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات المقبلة؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، مستقبل الأمن الغذائي السوري خلال السنوات القادمة.

References

[1] Food Security Cluster Syria, “Syria Food Security Sector Overview,” 2026. Available: https://fscluster.org/syria

[2] World Food Programme (WFP), “WFP Scales Back Food Assistance in Syria Amid Funding Shortfalls,” May 2026. Available: https://www.wfp.org/news/wfp-scales-back-food-assistance-syria-amid-funding-shortfalls

[3] 963 Media, “Bread in Syria: Shortages, Quality Gaps and the Economic Strain,” Jan. 13, 2026. Available: https://963media.com/en/13/01/2026/bread-in-syria-shortages-quality-gaps-and-the-economic-strain/

[4] FEWS NET, Syria Food Security Outlook Update, Apr. 2026. Available: https://fews.net/middle-east-and-europe/syria/food-security-outlook-update/april-2026

[5] 963 Media, “86% of the Wheat Planting Plan for the 2026 Season Has Been Completed,” Apr. 2026. Available: https://963media.com/archives/67069

[6] Syrian Arab News Agency (SANA), “Ministry of Economy and Industry Sets Wheat Procurement Price for 2026 Season,” May 2026. Available: https://sana.sy/economy/syrian-economy/2477214/

[7] Haid Haid, “Syria’s Wheat Price Crisis Needs More Than a Presidential Fix,” Al Majalla, Jun. 3, 2026. Available: https://www.majalla.com/node/331382

[8] Enab Baladi, “Farmers Protest Syria’s Wheat Price Decision,” ـJune 2025. Available: https://www.enabbaladi.net/758876/بعدمرسومالمكافأةالاقتصادتعلنسعر/

[9] Asharq Al-Awsat, “Govt’s Wheat Pricing Fuels Farmer Protests across Syrian Provinces,” May 18, 2026. Available: https://english.aawsat.com/arab-world/5274783-govts-%E2%80%98wheat-pricing%E2%80%99-fuels-farmer-protests-across-syrian-provinces

[10] Enab Baladi, “Farmers Protest Syria’s Wheat Price Decision,” May 2026. Available: https://english.enabbaladi.net/archives/2026/05/farmers-protest-syrias-wheat-price-decision/

[11] Ultrasyria, “How Does the 2026 Wheat Pricing Threaten Food Security in Syria?,” May 2026. Available:

https://ultrasyria.ultrasawt.com/الخبزفيعينالعاصفةكيفتهددتسعيرةالقمحلعام-2026-الأمنالغذائيفيسوريا؟/ديناعبد/مجتمعواقتصاد

[12] Presidency of the Syrian Arab Republic, “Presidential Grant for Wheat Farmers,” May 2026. Available: https://sana.sy/presidency/2482291/

[13] Syrian Center for Policy Research (SCPR), Public Budgeting in Transitional Syria: Surpluses in the Accounts, Deficits in Development and the Reproduction of Inequality, Apr. 2026. Available: https://scpr-syria.org/wp-content/uploads/2026/04/Public-Budgeting-in-Transitional-Syria-SCPR-AR.pdf

[14] Lahlah Platform, “The Euphrates Flood in Raqqa and Deir ez-Zor: A Disaster Beyond Water,” 2026. Available: https://lahlah.space/طوفانالفراتفيالرقةوديرالزوركارثة/

[15] Syria TV, “From Evacuation by Boats to Waiting for Compensation: The Story of Villages Hit by the Euphrates Flood,” 2026. Available: https://www.syria.tv/منالإخلاءبالقواربإلىانتظارالتعويضقصةقرىضربهافيضانالفرات

[16] Enab Baladi, “Euphrates Flood: Submerged Fields and Water Stations Out of Service,” May 2026. Available: https://www.enabbaladi.net/810421/

[17] Enab Baladi, “Deir ez-Zor Floods Nearly 17,000 Dunums of Agricultural Land,” May 2026. Available: https://www.enabbaladi.net/810792/

[18] Welat TV, “Emergency and Disaster Management Ministry Reports Extensive Flood Damage in Deir ez-Zor,” May 2026. Available: https://www.welattv.net/ar/node/27664

[19] Hawar News Agency (ANHA), “Flood Damage Assessment in Deir ez-Zor,” May 2026. Available: https://hawarnews.com/ar/142229

[20] Al-Quds Al-Arabi, “Euphrates Floods in Syria: Homes and Farmland Submerged, Infrastructure Damaged,” May 2026. Available: https://www.alqudsalarabi.co.uk/فيضاناتالفراتفيسورياغرقمنازلوأرا/#gsc.tab=0

[21] Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO), The State of Food and Agriculture 2021: Making Agrifood Systems More Resilient to Shocks and Stresses. Rome: FAO, 2021. Available: https://www.fao.org/documents/card/en/c/cb4476en

[22] Olivier Mahul and Charles J. Stutley, Agricultural Insurance for Development: Principles and Experience. Washington, DC: World Bank, 2010. Available: https://documents1.worldbank.org/curated/en/911381468150325904/pdf/624950PUB0Agri00Box0361484B0PUBLIC0.pdf

[23] Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), Agricultural Policy Monitoring and Evaluation 2024. Paris: OECD Publishing, 2024. Available: https://www.oecd.org/agriculture/agricultural-policy-monitoring-and-evaluation/

شارك المنشور : 

آخر المستجدات