معبر سيمالكا: مخاوف من اتساع الأزمة المعيشية مع ارتفاع تكاليف الاستيراد

آريا حاجي

في الوقت الذي تعاني فيه مدن محافظة الحسكة من أزمات معيشية حادة، وضعف في القدرة الشرائية، أثارت قرارات رفع الرسوم الجمركية وتنظيم إجراءات الاستيراد عبر معبر سيمالكا مع إقليم كردستان، (وهو معبر تم افتتاحه في العام 2012 كممر إنساني، عبر جسر مائي لربط محافظة الحسكة بإقليم كردستان), قلقاً واسعاً بين الأهالي والتجار، وسط تحذيراتٍ من أن تنعكس هذه القرارات بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية أو حتى توفرها في الأسواق.

ومع اعتماد جزء كبير من أسواق محافظة الحسكة على البضائع الواردة من معبر سيمالكا، يرى بعض الأهالي وأصحاب المحال التجارية والتجار، أنّ زيادة تكاليف الاستيراد ستقود إلى ارتفاعات جديدة في الأسعار، في الوقت الذي بقيت فيه الرواتب ومستويات الدخل على حالها، الأمر الذي يهدد بتوسيع الفجوة بين القدرة الشرائية ومتطلبات المعيشة اليومية.

في المقابل، تقول الجهات المسؤولة إنّ القرارات الجديدة تأتي في إطار توحيد التعرفة الجمركية وتنظيم عمليات إدخال البضائع وفق الأطر القانونية المعتمدة في مختلف المعابر السورية.

في شهر نيسان الفائت، قال العاملون في معبر سيمالكا إنه تم تطبيق نظام جمركي جديد، بعد أن سيطرت الحكومة السورية الانتقالية على المعبر إبان الاتفاق على إتمام عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية مع الحكومة السورية الانتقالية، ويدعى النظام الجديد بـ “المنسق”.

ساكينة أحمد، من ساكنات مدينة الدرباسية الواقعة غرب الحسكة، تقول إنّ أي ارتفاع في الأسعار، يؤثر بشكل مباشر على حياة الناس، مشيرةً إلى أنّ الفوارق الطبقية باتت أكثر وضوحاً مع استمرار الغلاء.

“هناك بعض الفئات التي لا تتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، لكن بالمقابل، هناك من يواجهون صعوبة كبيرة جداً، لدرجة أنهم باتوا يقللون من مشترياتهم بسبب الغلاء،” تقول ساكينة وتوضّح أن أسعار بعض المواد الأساسية ارتفعت بشكل كبير خلال فترة قصيرة.

فمثلاً “ورق العنب كان يباع بـ 40 ألف ليرة سورية، لكنه اليوم يباع بـ 60 ألف ليرة سورية، وكيس السكر الذي يزن 10 كيلو غرام، كان يباع ب، 75 ألف أما الآن، يباع بـ 110 ألف ليرة سورية، وكذلك الأمر الزيت سعة 4 لتر، كان يتراوح بين 60 و70 ألف ليرة سورية، أما الآن أصبح بـ 110 ألف ليرة سورية،” وترى أن المشكلة الأكبر تعاني منها العوائل الفقيرة التي لا تملك ثمن احتياجاتها اليومية.

تحذيرات من موجة غلاء جديدة وتراجع حركة الأسواق

“إنه القرار الأخير لموت الناس ببطء،” يصف دلوفان جتو من أهالي مدينة قامشلي قرار رفع الرسوم الجمركية في معبر سيمالكا، ويشير إلى أنّ غالبية أهالي المنطقة يعيشون تحت خط الفقر، والشريحة الأكبر تعتمد على رواتب بالليرة السورية، لا تتجاوز قيمتها 80 إلى 90 دولار أمريكي شهرياً.

ويضيف أن استمرار القرار سيدفع كثيرين إما إلى “الموت من الجوع، أو الهجرة إن امتلكوا الإمكانات”، مؤكداً أنه تأثر شخصياً بالقرار، خاصةً أنه يعيل ابنةً من ذوات الاحتياجات الخاصة وتحتاج إلى أدوية بشكل مستمر، بينما لا يملك أي مصدر دخل سوى راتبه الحكومي الذي يعادل نحو 70 دولاراً (945 ألف ليرة سورية)، وهو مبلغ “لا يكفي حتى للإنترنت والكهرباء،” بحسب قوله.

ويرى دلوفان أن القرار “خاطئ وضد الناس،” موضحاً أن السوريين دفعوا ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، وكان من المفترض – بعد سقوط النظام – أن تتحسن الأوضاع المعيشية، لا أن تتفاقم. ويلفت إلى أن أسعار الخبز والكهرباء والمازوت ارتفعت أيضاً، معتبراً أن ارتفاع سعر المازوت كان الأخطر لأنه انعكس على معظم السلع الأخرى.

كما يعتبر أن المعبر “أصبح مغلقاً فعلياً رغم بقائه مفتوحاً”، نتيجة الرسوم المرتفعة، مطالباً الجهات المسؤولة بالتراجع عن القرار ووضع مصلحة الناس في المقام الأول، بدلاً من مقارنة الأسعار في المنطقة بالدول المتطورة، “فهناك الرواتب تتجاوز ألف دولار، بينما هنا لا يوجد أي توازن بين الرواتب وارتفاع الأسعار”.

ومن داخل السوق، يتحدث محمد صالح محمد، وهو تاجر مواد غذائية، عن التغييرات التي طرأت على تكاليف الاستيراد، موضحاً أن طن الزيت أصبح بـ 300 دولار، وطن المرتديلا بـ 500 دولار، وطن المحارم أيضاً بـ 500 دولار، بعد أن كانت الرسوم سابقاً بحدود 70 دولاراً فقط.

ويؤكد أن الأسعار تضاعفت، وأن حركة التجارة في المنطقة أصيبت بالشلل تقريباً، في وقتٍ بقيت فيه الرواتب على حالها، ما زاد من سوء الوضع المعيشي. ويشير إلى أن هناك توجهاً نحو الاعتماد على بضائع بديلة نتيجة القرار الذي يهدف – بحسب رأيه – إلى إنعاش الصناعة المحلية، لكنه يرى أن جودة البضائع السورية “سيئة جداً.

ويضيف أن الأسواق تعتمد حالياً على البضائع القديمة الموجودة مسبقاً، بينما لم تدخل كميات جديدة إلا بشكل نادر منذ صدور القرار، معتبراً أن التاجر لا يخسر في النهاية، وإنما الشعب هو الخاسر الوحيد، داعياً إلى التراجع عن القرار.

مخاوف من احتكار السوق وارتفاع مرتقب في أسعار السلع الأساسية

بدوره، يروي عماد، وهو اسم مستعار لتاجر كان يعمل في استيراد مواد التنظيف من إيران عبر معبر سيمالكا، كيف انعكس القرار الجديد على عمله بشكل مباشر. يقول إنه كان يدفع سابقاً رسوماً رمزية تبلغ 25 دولاراً على الطن الواحد، بحيث كانت حمولة 25 طناً تكلف نحو 600 دولار فقط، لكن بعد وصول الحكومة فُرضت جمركة بقيمة 500 دولار على الطن الواحد.

ويتابع أن المادة التي كان يبيعها وصولاً إلى الرقة بسعر 420 دولاراً أصبحت تكلفتها اليوم نحو 900 دولار، إضافة إلى اشتراط وثائق جديدة مثل شهادة المنشأ والفاتورة والرقم الضريبي والرقم التسلسلي، معتبراً أن الهدف من ذلك هو فرض ضرائب مالية إضافية على التجار، الأمر الذي سينعكس حكماً على المستهلك النهائي.

ويصف القرار بأنه “خاطئ”، مؤكداً أن الأسواق تعاني أساساً من ضائقة اقتصادية خانقة، وأن معظم أعمالهم توقفت منذ صدور القرار. ويتوقع أن تنفد البضائع الموجودة حالياً من الأسواق خلال فترة قصيرة، ما سيجبر التجار إلى الاستيراد وفق الأسعار الجديدة، وبالتالي ارتفاع الأسعار بشكل أكبر.

كما يشير إلى أن الاعتماد على البضائع السورية أو التركية ليس حلاً مثالياً، “فالسورية غالية والتركية أغلى،” مضيفاً أن الرسوم الجمركية الحالية ستخنق الأهالي، ولن يتمكن الموظفون من تأمين مستلزماتهم اليومية. ويقول إنهم يعملون حالياً بنصف الطاقة، بينما تراجعت الأرباح إلى حد كبير، لافتاً إلى أن تكلفة التنقل وحدها أصبحت مرهقة، إذ يستهلك يومياً نحو 30 لتراً من المازوت للوصول إلى الحسكة، “وهو ما أخسره من رصيدي الشخصي،” رغم أن المنطقة تُعد منطقة نفطية.

وفي السياق ذاته، يتحدث ماهر الزعيم، صاحب ماركت الزعيم في القامشلي، عن مخاوف التجار من المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن الأسعار بدأت ترتفع بالفعل لكن ليس بشكل ملحوظ حتى الآن، مرجعاً ذلك إلى ضعف القدرة الشرائية لدى السكان.

ويقول إن ضريبة الجمركة عالية جداً وتسببت بأضرار كبيرة، إضافة إلى طلب أوراق ثبوتية غير متوفرة حالياً لدى كثير من التجار، ما أدى إلى توقف بضائعه في الطرف الآخر من المعبر، دون منح مهلة كافية لتأمين الوثائق المطلوبة.

ويرى أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى احتكار السوق من قبل كبار التجار فقط، متوقعاً ارتفاع أسعار المواد بنسبة تتراوح بين 30 و50 بالمئة، وهو ما سيؤثر بشكل كبير على المنطقة التي تعيش أصلاً أزمة اقتصادية خانقة.

ويشير إلى أن من أكثر المواد المتوقع ارتفاع أسعارها: اللبن المبستر، وحليب “نيدو”، وحليب الأطفال. كما يلفت إلى أهمية تنوع مصادر البضائع، موضحاً أن الاعتماد على جهة واحدة أو على الإنتاج المحلي فقط سيؤدي إلى احتكار السوق والتحكم بالأسعار، بينما يتيح تنوع الاستيراد خيارات وأسعاراً مختلفة تناسب مختلف الفئات الاجتماعية.

ويختم حديثه بالقول إن “القوة الشرائية ميتة”، وإن الرواتب بعيدة جداً عن مستوى المعيشة، مضيفاً: “نحن الآن متلخبطون ولا نعلم ماذا يجب أن نفعل في هذا الواقع الحالي”.

في المقابل، يؤكد مشير الرماح، رئيس قسم الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، أن التعرفة الجمركية موحدة في كافة المعابر السورية، وأن تطبيقها في معبر سيمالكا يُعد إجراءً تنظيمياً وقانونياً يجب الالتزام به.

كما شدد على أن طلب بعض الوثائق الثبوتية من التجار هو أيضاً جزء من الإجراءات القانونية والتنظيمية المطلوبة، بهدف تنظيم عمليات إدخال البضائع وضمان قانونيتها.

وبين مبررات الجهات الرسمية ومخاوف الأهالي والتجار، تبقى الأسواق في شمال شرقي سوريا أمام مرحلة ضبابية، وسط تساؤلاتٍ متزايدة حول قدرة السكان على تحمّل موجة جديدة من الغلاء، في منطقة تعاني أساساً من أزمات اقتصادية ومعيشية متراكمة، بينما يترقب الجميع ما إذا كانت هذه القرارات ستستمر أم ستخضع للمراجعة تحت ضغط الواقع المعيشي المتدهور.

شارك المنشور : 

آخر المستجدات