السجون السورية بين الإصلاح والدمج

مقاربة في إعادة هيكلة قطاع الاحتجاز السوري في المرحلة الانتقالية

سقراط العلو

شكّلت السجون في سوريا، منذ سبعينيات القرن الماضي، أداة مركزية في منظومة الحكم الاستبدادي التي أرساها حزب البعث بقيادة حافظ الأسد ومن ثم بشار الأسد. فقد تحوّلت السجون من مؤسسات عقابية إلى أدوات للإخضاع السياسي والاجتماعي، حيث وظّفت الأجهزة الأمنية مراكز الاعتقال بوصفها امتداداً لسلطة الدولة القمعية، بعيداً عن أي رقابة قضائية أو مؤسسية. وُثّقت في هذه السجون أنماط متكررة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، شملت الإخفاء القسري، والتعذيب الممنهج، والمحاكمات غير العادلة، وصولاً إلى الإعدامات السرية. ويُعد سجن صيدنايا العسكري، كما وصفته منظمة العفو الدولية، واحداً من أبرز رموز هذا القمع، حيث أُشير إليه في تقرير عام 2017 باعتباره “مسلخاً بشرياً”. وقد أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا في تقاريرها المتتالية أن الاعتقال في سوريا لم يكن مجرد انتهاك فردي بل ممارسة مؤسساتية ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

لم يؤدِ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024 إلى إحداث تحول نوعي فوري في ملف السجون، إذ ما تزال مراكز الاعتقال في مناطق الحكومة الانتقالية تعاني من غياب سياسة موحدة لإصلاح القطاع، كما أن بعض المؤسسات الأمنية استُعيدت دون تفكيك بنيتها القمعية السابقة. في المقابل، تحافظ الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على نموذجها المستقل لإدارة السجون، والذي يستند إلى “العقد الاجتماعي” الناظّم لشؤونها القانونية بعيداً عن التشريع السوري الرسمي. وتشير تحقيقات إلى وجود 49 سجن ومعتقل أغلبها سرية غير معلنة تتوزع في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية بين مراكز احتجاز مدنية، وسجون أمنية تُديرها قوات الأسايش، وسجون عسكرية تابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وأخرى تتبع للتحالف الدولي والتي تحتجز آلاف المعتقلين من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وتشهد سجون الإدارة الذاتية انتهاكات لحقوق المحتجزين، وتتجلى بحسب تقارير حقوقية في الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب. كما تواجه سجون معتقلي تنظيم الدولة تحديات هيكلية وأمنية متزايدة، لا سيما في ظل عدم اعتراف دولي رسمي بالإدارة الذاتية، وامتناع الدول المعنية عن استعادة رعاياها من المقاتلين السابقين أو النساء والأطفال المرتبطين بهم.

وعلى الضفة الأخرى من الخارطة السورية، وتحديداً في الشمال الغربي عملت خلال السنوات الماضية منظومتان للسجون، إحداهما تتبع فصائل المعارضة السورية المعروفة بالجيش الوطني، والأخرى تتبع لهيئة تحرير الشام. وتتبع كل منظومة منهما لقوانين وجهاز قضائي مستقل. ورغم امتلاكهما لجهاز قضائي ومدني؛ إلا أن تقارير حقوقية مستقلة وثقت حالات من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وغياب الرقابة، على اختلاف جهات السيطرة. وبعد سقوط نظام الأسد وحل هيئة تحرير الشام ودمج فصائل الجيش الوطني في الجيش السوري الجديد، لم يصدر أي شيء رسمي حول تسليم السجون للحكومة السورية الانتقالية.

في ضوء هذا السياق المتعدد والمتشظي، تتبدى الضرورة الملحة لإصلاح شامل وممنهج لقطاع السجون في سوريا، يأخذ في الاعتبار التعدد المؤسسي القائم، والتباينات في الخلفيات القانونية، والانقسامات السياسية والمجتمعية، فضلاً عن الإرث الثقيل لانتهاكات عقود من الحكم القمعي. إذ لا يمكن لأي عملية عدالة انتقالية أن تكتمل دون معالجة جذرية لهذا القطاع، من خلال مساءلة الماضي، وتوحيد السياسات، وبناء آليات احتجاز عادلة وإنسانية تضمن الكرامة والحقوق وتمنع تكرار الانتهاكات.

وعليه، تسعى هذه الورقة إلى تحليل واقع المنظومتين السجنيتين القائمتين في سوريا بعد سقوط النظام، من خلال دراسة بنيتهما القانونية والإدارية والإنسانية، واستكشاف سبل إصلاح قطاع السجون بوصفه أحد ركائز العدالة الانتقالية، إلى جانب بحث إمكانات دمج المنظومات المختلفة في إطار وطني موحّد يخضع لسلطة قضائية مدنية مستقلة.
وتنطلق الورقة من فرضية أن إصلاح السجون ليس مساراً إداريًا فحسب، بل خطوة تأسيسية لإعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع، وتحويل مؤسسات العقاب السابقة إلى فضاءات للعدالة وإعادة الإدماج الاجتماعي.

لقراءة الورقة كاملة: السجون السورية بين الإصلاح والدمج

شارك المنشور : 

آخر المستجدات