أظهرت الأحداث الدامية في السويداء في تموز/يوليو 2025 وما رافقها من موجات وحشود عشائرية على شكل “فزعات”، أنّ العشيرة ما تزال فاعلاً محوّرياً في إعادة تشكيل التوازنات المحلية السورية بعد سقوط النظام السابق. فالنزاع الذي بدأ محدوداً في نطاقه سرعان ما تحوّل إلى حشود عابرة للمناطق، كاشفاً عن محدودية أدوات الدولة في إدارة الأزمات وعن قدرة البُنى القبلية والعشائرية على التعبئة والحشد السريع وإعادة التأثير في المعادلات الأمنية والسياسية. هذه التحوّلات تكشف أنّ الفزعة لم تعد ممارسة ثقافية تقليدية محكومة باعتبارات العصبية وصلات الدم وحدها، بل قد تشكّل إطاراً سياسياً جديداً يحدّد موقع العشائر في الدولة الوليدة، ويكشف عن حدود علاقتها بالمركز.
الحكومة الانتقالية بدورها سعت، عبر أدوات عدة، إلى تحفيز واستثمار زخم الفزعات العشائرية، باعتباره دليلاً على “شرعيتها وتماسك الجبهة الداخلية في مواجهة التهديدات المحلية والتدخل الإسرائيلي”. غير أنّ طبيعة التحركات العشائرية أبرزت قدراً من الاستقلالية عن خطاب الدولة، وبالتالي أعادت طرح أسئلة جوهرية تتعلق بالتمثيل السياسي، والعدالة في توزيع الموارد، والقدرة على ضبط الأمن المحلي. ومن هذا المنظور، فإن الحشد العشائري لم يكن مجرد استجابة طارئة لأحداث السويداء، بل يمكن فهمه كمؤشر على إعادة تموضع العشائر في المشهد الوطني، وعلى سعيها لانتزاع موقع تفاوضي أوضح ضمن ترتيبات السُلطة الجديدة.
تأخذ هذه الدلالات وزناً إضافياً عند النظر إلى مشاركة عشائر شمال شرق سوريا. فالمنطقة تُمثل الثقل العشائري الأكبر في البلاد، وتعدّ في الوقت نفسه ساحة لتداخل بالغ الحساسية بين الحكومة المركزية و”الإدارة الذاتية” والقوى الإقليمية والدولية. لذا، فإن استجابة مجموعات عشائرية من دير الزور والرقة والحسكة وريف حلب، سواء في شكل فعل مباشر أو عبر التصعيد في الخطاب السياسي والإعلامي اتجاه “الإدارة الذاتية”، لا يمكن فهمها بوصفها امتداداً تلقائياً لـ “النخوة” فقط، بل يمكن فحصها كتعبير عن رفض متراكم لسياسات “الإدارة الذاتية”، ومحاولة لإعادة وصل العلاقة بالحكومة المركزية الجديدة، واستباق لكُلفة أي مواجهة محتملة بين دمشق و”قسد” قد تدور على أرضهم.
انطلاقاً من ذلك، تحاول هذه الورقة اختبار الفرضية السابقة وفقاً لمقاربة الفزعات العشائرية كظاهرة سياسية-اجتماعية، تكشُف عن طبيعة العلاقة المتحوّلة بين الدولة والعشائر في مرحلة انتقالية حسّاسة ومُعقّدة. وعليه، تطرح أربعة أسئلة مركزية، تسعى للإجابة عنها عبر مصادر أوليّة وثانويّة، وتشكِّل من إجاباتها مبنى هذه الورقة،
ما الذي جعل الفزعة العشائرية تتجاوز إطارها المحلي إلى حشد واسع عابر للمناطق؟
ما الديناميات المحلية التي دفعت بمجموعات عشائرية من شمال شرق البلاد للمشاركة في “فزعات” السويداء؟
بماذا تختلف تلك الديناميات عن دوافع المجموعات العشائرية المشاركة من مناطق أخرى، لا سيّما الجنوب؟
كيف تعيد مشاركة عشائر “شمال شرق سوريا” تعريف موقعها بين “الإدارة الذاتية” والدولة المركزية؟
ما هي المسارات الممكنة لسياسات عامة قادرة على دمج العشائر في بُنية الدولة الجديدة دون أن تتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج العنف؟
لقراءة الورقة الكاملة: مِنَ الجزيرة السوريّة إلى السويداء



