تعافي القطاع الزراعي في مناطق شمال شرق سوريا

د. ليلى زيبار

في ضوء التطورات الراهنة المتسارعة، والحاجة الملحّة إلى تبني نهج مستدام يعالج جذور الأزمة السورية، تعمل منظمة “العدالة من أجل الحياة” (Justice for Life) —من خلال سلسلة من الأوراق البحثية المتخصصة—على صياغة رؤية شاملة تنبثق من واقع المجتمع السوري في شمال شرق البلاد. وتهدف هذه الرؤية إلى تطوير سياسات وأطر عملية تضمن عدم تكرار سياسات التهميش خلال مراحل التعافي وإعادة الإعمار، مع التصدي لجذورها البنيوية العميقة. تركّز هذه الورقة تحديداً على أحد الأبعاد الجوهرية في هذا السياق، وهو التهميش المحتمل في القطاع الزراعي وما يرتبط به من قضايا الأمن الغذائي والموارد الطبيعية في شمال شرق سوريا، باعتباره قطاعاً حيوياً في مرحلة ما بعد النزاع. وتتناول الورقة هذا الموضوع من منظور نقدي وتحليلي، بوصفه نمطاً تكرارياً شهدته سياقات جغرافية وتاريخية مختلفة، حيث غالباً ما يؤدّي تجاهل العدالة الزراعية إلى إعادة إنتاج التفاوتات البنيوية.

وتسعى الورقة إلى الإجابة عن السؤال المحوري التالي: “كيف يمكن معالجة التحديات الحديثة والتاريخية التي تواجه القطاع الزراعي في سياق التعافي وإعادة الإعمار في مناطق شمال شرق سوريا، بما يكفل معالجة سياسات التهميش السابقة وعدم تكرارها أو إعادة إنتاجها؟”

يتناول هذا البحث، من خلال تحليل منهجي، الكيفية التي أسهمت بها سياسات التهميش (marginalization strategies) في نشوء الأزمة الزراعية في شمال شرق سوريا، ويستقصي تأثيرات الحرب على إعادة تشكيل علاقات الأرض والسلطة، مع تحديد الفاعلين الرئيسيين، والتحديات، والفرص الراهنة التي قد تمكّن هذا القطاع من أن يكون رافعة لتحقيق العدالة المكانية (spatial justice) كما عرّفها إدوارد سوجا (Edward Soja) . وتُفهم العدالة المكانية هنا بوصفها توزيعاً عادلاً ومنصفاً للموارد، والفرص، والخدمات ذات القيمة الاجتماعية، على نحو يُراعي العلاقة المتجذّرة بين جغرافيا المكان والبُنى الاجتماعية التي يحتضنها ويُعيد إنتاجها. ولفهم العدالة المكانية في السياق السوري، يستند الإطار النظري للبحث إلى أدبيات التنمية والنزاع، ويتقاطع مع مفاهيم مركزية، منها:

  • العنف البطيء (Slow violence) لروبرت نيكسون، بوصفه الأذى الذي يحدث تدريجيًا وبشكل غير مرئي من خلال التهميش الممنهج والتقويض التنموي، مما يسهم في تغذية التفاوتات الاجتماعية وإخفاق القدرات المؤسسية المحلية وتفاقم التدهور البيئي. ويتجلى هذا العنف البطيء المرتبط بتقويض التنمية الاقتصادية مع مرور الزمن، إذ يُعدّ “عنف التدمير المؤجل” الذي “لا يكون فوريًا بل تراكميًا وتدريجيًا”.
  • الهيمنة البنيوية (infrastructural power) التي تُبرز الطبيعة المزدوجة للبنى التحتية بوصفها أداة للتمكين كما للإخضاع،
  • الهندسة الديموغرافية والاجتماعية (demographic and social engineering)،في إشارة إلى استراتيجيات متعمدة تهدف إلى إعادة تشكيل التركيبة الديموغرافية والنسيج الاجتماعي للمجتمعات، غالباً لأغراض تتعلق بالهيمنة السياسية أو الإقصاء أو السيطرة الإقليمية.
  • التوظيف الاستخراجي والاستراتيجي للموارد الطبيعية (extractivism). حيث تعتبر الاستخراجية طريقة لتنظيم الحياة والاقتصاد تعتمد على استخراج الموارد الطبيعية والإنسانية (مثل النفط، المعادن، الأراضي، والعمل) بشكل مكثّف وبدون تبادل متكافئ أو عادل. يتم ذلك من خلال أنظمة سياسية واقتصادية تُعزز القوة لدى البعض وتُضعف الآخرين. ويعتبر الباحثون الاستخراجية ليست فقط “نشاطًا اقتصاديًا”، بل نمط حياة وتنظيم اجتماعي عالمي يُنتج علاقات غير متوازنة بين الدول والشعوب والبيئة.
  • “التنمية الجغرافية غير المتكافئة” (uneven geographical development)، أي حالة من عدم التوازن الجغرافي تتسم باستغلال موجه ومحدود للموارد، وسياسات تنموية تمييزية، وضعف في البنية التحتية والخدمات المقدمة من الدولة، وغياب الاستجابة الشاملة لاحتياجات السكان على الأصعدة المختلفة.

كما تستند الدراسة إلى معطيات ميدانية تم جمعها من خلال جلستي تركيز معمّقتين أُجريتا في مدينتين رئيسيتين هما الرقة ودير الزور، بالإضافة إلى مقابلات نوعية مع خبراء متخصصين في القطاع الزراعي السوري. وقد تم تحليل هذه البيانات في ضوء مقارنة مع تقارير ومصادر إعلامية وأكاديمية متنوعة. وتُقدّم الورقة من خلال هذا التحليل أمثلة متعددة تبيّن أهمية مراعاة البُعدين السياسي والاقتصادي عند تصميم تدخلات في القطاع الزراعي، وضـرورة مواءمتها مع الاحتياجات الوطنية والمحلية، ضمن إطار عملية إعادة الإعمار. وبناءً على نتائج البحث، تُطرح مجموعة من التوصيات والسياسات المقترحة التي تهدف إلى دعم تعافي القطاع الزراعي، وتحسين الأمن الغذائي، وتعزيز استدامة جهود التنمية، وعدم تكرار سياسات التهميش، مع مراعاة التحديات المحلية والدولية المحيطة بالمرحلة الانتقالية الراهنة.

 

لتحميل الورقة PDF تعافي القطاع الزراعي في مناطق شمال شرق سوريا

شارك المنشور : 

آخر المستجدات