أُبي كرد علي
انطلقت الثورة السورية في آذار ٢٠١١ بمطالب شعبية دعت إلى الحرية والعدالة والكرامة، غير أن هذه المطالب قوبلت بجرائم خطيرة ارتكبها نظام الأسد، قبل أن تتطور الأحداث إلى نزاع مسلح ارتكبت خلاله مختلف الأطراف انتهاكات وفظائع جسيمة عاشها السوريون والسوريات، بما في ذلك القتل والتعذيب والإخفاء القسري وتهجير السكان ونهب ممتلكاتهم. ولم تكشف سنوات النزاع عن أزمة إنسانية فحسب، بل أظهرت أيضاً خللاً عميقاً في العلاقة بين الدولة والمجتمع وتآكلاً في العقد الاجتماعي السوري. وفي ٨ كانون الأول ٢٠٢٤، سقط حكم الأسد عقب عملية عسكرية نفذتها فصائل معارضة، لتبدأ مرحلة الانتقال السياسي في البلاد.
خلال السنة الأولى من مرحلة الانتقال السياسي، عقد حوار وطني مختزل بهدف صياغة رؤية وطنية لمستقبل البلاد. كما صدر في آذار ٢٠٢٥ إعلان دستوري مؤقت، تناول في مواده شكل الحكم في مرحلة الانتقال، والحقوق والحريات العامة، وأدوار السلطات المختلفة، إضافة إلى مواد تتعلق بمسار العدالة الانتقالية. وعلى الرغم من جوهرية هذه المحطات في تحديد الأركان والمبادئ الأساسية التي ينبغي أن يقوم عليها العقد الاجتماعي الجديد بين مختلف مكونات المجتمع السوري، فإن المشاركة المجتمعية الحقيقية والفعالة في هذه العمليات كانت محدودة أو شبه معدومة، ما دفع منظمات المجتمع المدني إلى تعزيز المشاركة المحلية في عملية بناء العقد الاجتماعي السوري، وتقديم تصورات بشأن المبادئ التي ينبغي أن يستند إليها الدستور الدائم المرتقب.
وفي هذا السياق، تسعى هذه الورقة إلى الإسهام في تسليط الضوء على أولويات شريحة من السوريين والسوريات بشأن ما ينبغي تضمينه في دستور سوريا الدائم والتشريعات والسياسات ذات الصلة، انطلاقاً من أهمية المشاركة المجتمعية في بناء عقد اجتماعي أكثر شمولاً واستدامة. وقد استندت الورقة إلى أربع مجموعات حوارية مركزة عقدتها منظمة العدالة من أجل الحياة في الرقة والقامشلي وطرطوس وحلب بمشاركة ٣٨ سورياً وسورية من خلفيات حقوقية وقانونية، وذلك لرصد أولوياتهم الدستورية ضمن أربعة محاور رئيسية: شكل الدولة والهوية الوطنية، الحقوق والحريات، سلطات الدولة وسيادة القانون، والعدالة الانتقالية والتعامل مع إرث الماضي. كما تم تدعيم المشاركات بمراجعة مكتبية للأدبيات والقوانين والسياسات ذات الصلة.
ونظراً لمحدودية نطاق البحث والتواصل مع مجموعات محددة جغرافياً ونوعياً، لا تدعي هذه الورقة أنها تقدم تصوراً شاملاً عن أولويات السوريين والسوريات من مختلف أطياف المجتمع، بل تعكس آراء الشريحة التي تمت مقابلتها فحسب. كما أنه نظراً لاتساع نطاق المحاور التي تتناولها الورقة وسعيها إلى رصد الأولويات الأساسية في كل منها، فإنها لا تقدم دراسة معمقة وتفصيلية لكل محور، وإنما تؤكد الحاجة إلى تطوير دراسات أكثر تفصيلاً وتمثيلاً لآراء شرائح أوسع من المجتمع السوري.
تبدأ الورقة بتسليط الضوء على تصورات السوريين والسوريات المشاركين في الحوارات المحلية بشأن شكل الدستور المرتقب، ثم تعرض أولويات المشاركين والمشاركات ضمن المحاور الأربعة المشار إليها أعلاه، وتختتم بتقديم تصور عام لأبرز الاعتبارات التي ينبغي أخذها في الحسبان في عملية بناء دستور سوريا الدائم استناداً إلى الأولويات التي تم رصدها.
الدستور في عيون السوريين والسوريات
يعد الدستور الوثيقة القانونية العليا في الدولة، إذ ينص على المبادئ الأساسية التي تحدد شكل الدولة وطبيعة علاقتها بالمواطنين. وهو ينظم مزيجاً من القواعد القانونية والسياسية والاجتماعية التي ترسم معالم نظام الحكم، وتضع أطر سيادة القانون، وتحدد حدود سلطات الدولة وصلاحياتها، فضلاً عن تحقيق التوازن بين السلطات المختلفة. كما يعكس الدستور الهوية الجامعة للمواطنين، ويجسد القيم والحقوق والحريات الأساسية التي تلتزم الدولة بصونها وترجمتها في تشريعاتها المختلفة.
وفي سياق الانتقال السياسي في مرحلة ما بعد النزاعات والثورات، تعد عملية إعداد دستور الدولة مسألة بالغة الأهمية والتعقيد، إذ تمثل خطوة أساسية في تحديد شكل الدولة المنشودة، وضمان حقوق وحريات مختلف أطياف المجتمع، والحيلولة دون تكرار الانتهاكات والمظالم التي شهدتها البلاد في مراحل سابقة.
ولأن سياقات النزاعات المسلحة والثورات قد تخلف مظالم عميقة وتصدعات داخل المجتمع، وقد تؤدي إلى تراجع مستويات الثقة بين مكوناته المختلفة أو بينه وبين السلطة، فمن الضروري أن تنخرط المجتمعات في حوارات واسعة حول المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تنعكس في نصوص الدستور وتشريعات الدولة وسياساتها وممارساتها. تعكس هذه المبادئ الأولويات الجوهرية التي يتطلع المواطنون إلى حمايتها وصونها في الدولة، كما تحدد الأسس التي ينبغي أن تبنى عليها الوثيقة الدستورية.
ويرى السوريون والسوريات الذين أجريت مقابلتهم في إطار إعداد هذه الورقة أن الدستور السوري المنشود يتجاوز كونه وثيقة قانونية جامدة، بل يجب أن يكون ميثاقاً وطنياً جامعاً وعقداً اجتماعياً يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فبعد عقود من الاضطهاد والحرمان من الحريات، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتغول السلطات التنفيذية والأمنية في الحياة العامة، وتجذر الفساد، وغياب استقلال القضاء، وهيمنة الحزب الواحد على الحياة السياسية، ينظر المشاركون والمشاركات إلى الدستور بوصفه ضمانة أساسية لعدم إعادة إنتاج الاستبداد.
لقد شكل انعدام الثقة بين المواطنين والدولة على مدى عقود، إلى جانب غياب مؤشرات كافية لتعزيز هذه الثقة حتى الآن، عاملاً محورياً في رسم تطلعات المشاركين والمشاركات إلى العقد الاجتماعي الجديد. وقد أكد الذين تمت مقابلتهم أن النصوص الدستورية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطنين والدولة، إذ ترتبط قيمة الدستور بمدى انعكاسه الفعلي في تشريعات الدولة وسياساتها وممارساتها العملية.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي للدستور أن يبقى مجرد نص منمق أو وثيقة قانونية شكلية، بل يجب أن يشكل إطاراً تأسيسياً يحدد شكل الدولة وهويتها، ويضمن الحقوق والحريات للجميع دون تمييز. كما ينبغي أن يكفل التوازن والرقابة المتبادلة بين السلطات، وأن يمنع إعادة إنتاج نموذج الحكم الأحادي واحتكار السلطة، وأن يحمي المواطنين من الاستبداد، وأن يعالج إرث الماضي تمهيداً لبناء دولة تقوم على مبادئ العدالة والمواطنة والديمقراطية وسيادة القانون.
كما يرى السوريون والسوريات الذين تمت مقابلتهم أن عملية بناء الدستور لا ينبغي أن تكون عملية نخبوية أو محصورة ضمن دوائر سياسية ضيقة، بل يجب أن تضمن مشاركة مجتمعية فعالة في مختلف مراحلها. فهذه المشاركة تسهم في تكريس أولويات الناس ضمن النصوص الدستورية، وتسهل بناء التوافق المجتمعي حول القيم والمبادئ الأساسية التي يرغب المواطنون في رؤيتها في الدولة الجديدة في مرحلة ما بعد النزاع.
وقد أكد المشاركون على أن تعميق الوعي العام بعملية بناء الدستور وحقوقهم الأساسية هو أولوية أساسية لضمان تعزيز قدرة المواطنين والمواطنات على الانخراط الواعي والمستنير في هذه العملية. وعليه، فإن عملية إعداد الدستور بالنسبة للمشاركين لا تقل أهمية عن النتيجة النهائية ذاتها، لما تؤديه من دور محوري في بناء الشرعية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
لقراءة الورقة الكاملة: أولويّات سورية في عمليّة البناء الدستوري



