شرق الفرات… من الاستقرار الهش إلى سلام مستدام

محمد الجسيم

شكّل اتفاق 10 آذار/مارس 2025 أحد أبرز المنعطفات الاستراتيجية في مسار الصراع السوري، إذ كان يُفترض أن يؤسس لمرحلة جديدة تنهي حالة الانقسام الإداري والعسكري في منطقة شرق الفرات. وقد تضمّن الاتفاق ترتيبات تتعلق بدمج القوى العسكرية، وإعادة تنظيم إدارة الموارد السيادية، والاعتراف بالخصوصيات الثقافية والتعليمية للمنطقة ضمن إطار وطني جامع. غير أن هذا المسار سرعان ما اصطدم مع مطلع عام 2026 بـ”فجوة تنفيذ” حادة، في ظل تحولات ميدانية متسارعة وتصعيد عسكري أفضى إلى انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من أحياء في حلب، ثم من محافظتَي الرقة ودير الزور، قبل أن يُفضي الأمر إلى اتفاق ثنائي برعاية إقليمية ودولية يقضي بدمج هذه القوات ضمن المنظومة العسكرية للحكومة الجديدة. وهكذا تحوّل الاتفاق من إطار لإدارة انتقال منظّم إلى مسار مضغوط تحكمه الوقائع الميدانية أكثر مما تضبطه الترتيبات التفاوضية.

لم تقتصر تداعيات هذه التحولات على البعد العسكري والسياسي، بل أفرزت حالة استقطاب مجتمعي حاد اتخذت منحىً قومياً (عربياً–كردياً) مقلقاً. وفي ظل غياب الشفافية بشأن بنود مسودة الدمج الجديدة، دخل سكان المنطقة في مناخ من الضبابية والترقب، فيما تصاعدت خطابات الكراهية والتحريض بوصفها أدوات تعبئة محتملة لصراعات جديدة، دون اعتبار للكلفة الاجتماعية بعيدة المدى لهذا الاستقطاب.

تنطلق هذه الورقة من مقاربة مغايرة تضع الفاعلين المحليين في صلب معادلة الاستقرار. فأدبيات بناء السلام تؤكد أن الاتفاقات الحبيسة في تسويات النخب تتعرض للانتكاس عند أول اختبار أمني، وأن السلام المستدام يستلزم إشراك الفاعلين المجتمعيين على المستويات القاعدية والمتوسطة لتراكم شرعية محلية أكثر قدرة على الصمود. وهذا ما يُميّز بين «السلام السلبي» القائم على وقف العنف المباشر، و«السلام الإيجابي» الذي يستدعي معالجة البنى المنتِجة للتهميش والإقصاء وغياب العدالة. بناءً على ذلك، فإن إعلاء صوت السكان المحليين في شرق الفرات ليس مطلباً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لخفض احتمالات الانتكاس وتعزيز قابلية أي تسوية للاستدامة.

تعتمد هذه الورقة إطاراً تحليلياً يُميّز بين أربعة مصادر متشابكة للهشاشة، لا تعمل بشكل متوازٍ بل تتغذى على بعضها وتُعزّز بعضها في حلقات مفرغة:

  • الهشاشة الاقتصادية وتتجلى في انهيار فرص العمل وتدهور الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة، وهي ليست مجرد أزمة معيشية بل وقود صامت يُغذّي الاستقطاب الهوياتي؛ إذ تُظهر الأدلة الميدانية أن التدهور الاقتصادي يُهيّئ البيئة التي يُصبح فيها خطاب الكراهية أكثر قابلية للاستقطاب.
  • الهشاشة المؤسسية وتتمثل في غياب معايير التعيين الشفافة وسيادة المحسوبية والمحاصصة، وانعدام مسارات الشكاوى الفعّالة، وضعف المؤسسات القضائية الضامنة للحقوق. وهذا النوع من الهشاشة هو الأخطر لأنه يُحوّل الدولة الناشئة من حَكَم إلى طرف في الاستقطاب، ويجعل أي وعد سياسي عُرضةً للتشكيك.
  • الهشاشة الهوياتية وتنبع من غياب الاعتراف بالحقوق الثقافية والتعليمية للمكوّنات، وتراكم ذاكرة الإقصاء التاريخي غير المُعالَج. وهي لا تعمل باستقلالية بل تتضخم حين تلتقي بالهشاشة المؤسسية؛ فالمكوّن الذي لا يجد ضمانات مكتوبة لحقوقه يميل إلى تفسير كل قرار إداري غامض من منظور هوياتي.
  • الهشاشة المعلوماتية وتتجلى في غياب الشفافية حول بنود الاتفاقات ومسارات التنفيذ، وانتشار المعلومات المضللة في فراغ مؤسسي. وهذا النوع يعمل كمُضخّم للأنواع الثلاثة السابقة: فالغموض الاقتصادي يتحول إلى خوف وجودي، والإجراء الإداري العادي يُقرأ كقرار تمييزي، والهاجس الهوياتي يتصاعد إلى استقطاب.

ما يجعل هذا الإطار ذا قيمة تحليلية هو أنه يكشف أن التدخلات أحادية المحور، كالتدخل الأمني وحده أو الاقتصادي وحده؛ محكومٌ عليها بالقصور. فمعالجة الهشاشة الاقتصادية دون المؤسسية تُنتج تحسناً معيشياً لا يُرسّخ ثقة. ومعالجة الهشاشة الهوياتية بخطاب سياسي دون ضمانات مؤسسية ملزمة تُنتج طمأنينة مؤقتة لا شرعية مستدامة. وعليه، فإن التوصيات التي تُصيغها هذه الورقة مبنية على منطق التدخل المتزامن في أكثر من محور، بما يُحوّل كل توصية من إجراء منفرد إلى حلقة في سلسلة تُفضي إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس.

تندرج هذه الورقة ضمن مسار بحثي تشاركي يهدف إلى استيعاب الأصوات القاعدية في معادلة الاستقرار، بدلاً من الاكتفاء بتحليل الترتيبات الفوقية بين الأطراف المتنازعة. وتستند نتائجها إلى أربع جلسات حوار تشاركي مكثفة أُجريت بين الثاني عشر والثامن عشر من شباط 2026، شملت أربعين مشاركاً ومشاركة بنسبة تمثيل نسائي بلغت خمسين بالمئة، موزّعين على ثلاث محافظات في شرق الفرات.

انتظم العمل البحثي وفق مسارين تحليليين متمايزين تمليهما الفوارق الجغرافية والديموغرافية والسياسية بين المحافظات: المسار الأول يشمل محافظة الحسكة بمكوّنَيها العربي والكردي، وهي حالة خاصة بحكم تركيبتها الإثنية المتداخلة وخضوعها لترتيبات الدمج الجارية، ما يجعلها بؤرة محتملة للتجاذبات المستقبلية ومختبراً لمآلات الاتفاق. المسار الثاني يضم محافظتَي الرقة ودير الزور ذواتَي الغالبية العربية، اللتين خرجتا سلمياً من سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وباتتا اختباراً مباشراً لمدى قدرة الحكومة على إنتاج شرعية محلية مستقلة عن منطق الصراع.

لقراءة الورقة كاملة: شرق الفرات… من الاستقرار الهش إلى سلام مستدام

شارك المنشور : 

آخر المستجدات