في خضم التحولات الواسعة التي عقبت سقوط نظام الأسد في ٨ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥، يتشكل مشهد جديد يتداخل فيه تدفق العائدين مع محاولات إعادة الإعمار على المستويين السياسي والمؤسساتي. فقد بدأت قوافل العائدين بالتزاحم نحو المعابر البرية على الحدود السورية، فيما نقلت وسائل الإعلام موجات العودة التي امتزجت بين آمال متجددة وإرهاق طال النازحين واللاجئين السوريين داخل الأراضي وخارجها. ووفقاً لتقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نشر في نيسان/أبريل٢٠٢٥، فقد تصاعدت أعداد العائدين لتصل إلى نحو ٤٠٠ ألف لاجئ من دول الجوار—لبنان وتركيا والعراق—إلى جانب مليون نازح داخلي ضمن الأراضي السورية، مع توقع عودة مليون ونصف آخرين قبل نهاية عام ٢٠٢٥. وفي ظل غياب تمويل كافٍ لإعادة الإعمار وسياسات تضمن عودة كريمة ومستدامة، تتعالى الأصوات من داخل وخارج الأراضي السورية للمطالبة بالاستثمار في تسهيل عودة اللاجئين بشكل طوعي، مصاحبة لمطالب بإلغاء العقوبات وتحريك عجلة إعادة الإعمار، مما يعكس التباين الحاد بين الترقب الجماهيري لهذه الخطوة الحيوية والمعوقات المالية واللوجستية التي تهدد ضمان عودة آمنة ومستدامة.
يتجلى في المشهد السوري اليوم التفاعل المعقد بين تدفقات العودة الفردية وأصوات الدول والمنظمات الداعمة للعودة الطوعية وما يرافقها من تحديات مالية ولوجستية، وبين محاولات الحكومة الانتقالية لإعادة بناء الدولة عبر إصلاحات جذرية تشمل العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الشاملة. فعلى الجانب السياسي والمؤسساتي، شهدت الساحة السورية تحولات جذرية خلال المرحلة الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع، الذي تولى الرئاسة بمجرد سقوط النظام. فقد شرعت الحكومة الجديدة في تبني خطوات حاسمة لإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية—من بينها الجيش ووزارة الدفاع—بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق البلاد، في إطار سعيها لتحقيق تمثيل ديمقراطي عادل يشمل كافة مكونات المجتمع السوري. إلا أن إعادة إعمار سوريا اليوم لا يقتصر على الجوانب التقنية والمادية، كضخ الاستثمارات وإزالة العقوبات أو إعادة بناء المؤسسات الحكومية، بل تتطلب معالجة متعمقة لواقع الانقسامات الاجتماعية والسياسية والجغرافية التي تعيشها البلاد. فالأزمة السورية الراهنة هي ثمرة تاريخ طويل من السياسات الاستبدادية والتهميش المنهجي خلال حكم آل الأسد، والذي طال مناطق شمال شرق سوريا بشكل خاص، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ وتعمق التفاوتات الاجتماعية والإثنية والطائفية مناطقياً وإقليمياً، وبالتالي إلى تقويض أسس العدالة المكانية والمشاركة المجتمعية الفاعلة. حيث أسهمت هذه السياسات في إحداث تصدعات مجتمعية مناطقية على مستوى الجغرافية السورية ككل، وبناء اقتصاديات سياسية تنموية قاصرة، وهشاشة بنيوية أدت إلى اقتلاع الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع وعنف بطيء مهد لانهيار شامل خلال سنوات النزاع الممتدة من 2011 إلى 2025. وقد اتسمت تلك المرحلة المعاصرة بتفشي العنف المباشر والتدمير الواسع للبنية التحتية، فضلاً عن خسائر اقتصادية هائلة شملت انهيار قطاعات حيوية كالزراعة والصناعة والطاقة، ما أدى إلى إفقار نحو 90% من السكان ودفع الملايين إلى النزوح واللجوء والتهجير القسري. كما أن تغيرات وتجسّدات لنظم سيطرة ونماذج حوكمية مختلفة، تشظي الذاكرة الجمعية للنزاع والتهميش وتباينها جغرافياً، غياب الأمن السياسي والاجتماعي، وتفاقم الأزمات الإنسانية، وحجم الخسائر البشرية – من المفقودين والمعتقلين والقتلى – يجعل من أي خطة للإعمار مشروعاً معقداً يتعدى مجرد الحسابات الاقتصادية والمناورات السياسية، ليطال ضرورة إعادة بناء الثقة والقيم الاجتماعية والمؤسساتية ضمن إطار من العدالة الحقيقية، يصحح الأخطاء التاريخية لسياسات التهميش والإقصاء التنموي التي ساهمت في تفاقم الأزمة وتوسيع حلقات الهشاشة والدمار.
ضمن هذه التحولات، تشكل منطقة شمال شرق سوريا، التي تديرها الإدارة الذاتية وقوات قسد، محوراً استراتيجياً رئيسياً لتمويل إعادة الإعمار الوطني من الداخل في ظل تميزها بموارد طبيعية حيوية، إذ تعتبر مواردها النفطية والمائية والأراضي الزراعية دعائم أساسية للأمن الاقتصادي والغذائي الوطني وخاصة أنها لا تخضع للعقوبات الأوروبية وقانون قيصر. إلا أن الجهود التفاوضية الرامية إلى تطوير إدارة وطنية منسجمة مع سلطة قوات سوريا الديمقراطية تواجه تحديات متشابكة. فيُبرز الجدل الدائر حول نماذج الحوكمة؛ حيث يظهر الاختلاف بين النظام المركزي السابق والنموذج المبني على الحكم المحلي الذاتي كعامل حاسم يؤثر على مسار المفاوضات بشأن المستقبل الإداري والهياكل العسكرية والمدنية. كما تؤثر العوامل التاريخية المرتبطة بفترة حكم الأسد وسياسات التهميش والإقصاء التنموي المتباين بين المركز والأطراف، وبين التمركزات الحضرية والريفية والتي جذرت التصدعات الاجتماعية والسياسية في المنطقة. وتزداد الإشكالية تعقيداً مع تضارب المصالح الإقليمية والدولية، خاصةً مع تدخل قوى خارجية تسعى إلى استغلال الموارد والإمكانات الاستراتيجية للمنطقة كورقة ضغط ضمن أجنداتها الخاصة.
في حين يُعكس الترقب الجماهيري والآمال الكبيرة في العودة الآمنة والمستدامة، يبقى الأداء السياسي والإداري الجديد معرضاً للشكوك والتحديات، لا سيما في ظل المخاوف الدولية من انزلاق المشهد نحو دوامات عنف جديدة. ومن هنا، يتجلّى التحدي الحقيقي في معاني واتجاهات العودة التي تتطلب استعادة التماسك الاجتماعي وإعادة إنتاج شروط التعايش المشترك ضمن إطار ذاكرة جمعية حديثة متشظية ومتباينة جغرافياً. ويرتبط هذا التحدي ارتباطاً وثيقاً بتحقيق العدالة الانتقالية والمكانية وضمان مشاركة مجتمعية فاعلة تشمل العائدين والنازحين والمجتمعات السورية في الشتات، لصياغة مستقبل البلاد. وعليه، تؤكد هذه الورقة أنه لا يمكن فصل تصميم خارطة طريق لبرنامج العدالة الانتقالية والمصالحة عبر إعادة الإعمار عن جهود ترميم البنية المجتمعية وبناء السلم الأهلي، إلى جانب منع انزلاقها في دوامات عنف جديدة. إذ إن أي مساعٍ لإعادة البناء المادي تصبح عديمة الجدوى ما لم تُصحب بعملية إعادة بناء مجتمعية تهدف إلى وقف تكرار سياسات التهميش المبنية على الفوارق الإثنية والدينية التي جذرت تراكبات التفاوتات الاجتماعية والمناطقية، وتضمن عدالة مكانية من خلال إشراك حقيقي للمجتمعات — شاملاً النازحين واللاجئين — كركيزة أساسية لإعادة الإعمار لبنيات الاجتماعية-المكانية التي تحتضن استقرار الدولة السورية وتضمن استدامة إعادة إعمارها.
لقراءة الورقة كاملة: _إعادة الإعمار بين العدالة المكانية واستدامة التعافي



