غربة في الوطن: رؤية أهالي دير الزور لواقع المدينة ومستقبل تعافيها

نينار خليفة

بمشاعر يملؤها الحماس، حزم حسن مرعي الحسن أمتعته في تركيا، تاركاً خلفه حياة مستقرة وعملاً براتب جيد، ليعود مع زوجته وأولاده إلى مسقط رأسه دير الزور. كان الحنين لذكريات الماضي وأمل الاستقرار بجانب والدته وإخوته هو المحرك الأساس لقرار عودته بعد سنوات اللجوء، لكن، وبعد فترة قصيرة من عيشه في المدينة، بدأت ملامح الحلم تتآكل.

يقول حسن بنبرة يملؤها الإحباط: “عندما سقط نظام بشار الأسد شعرتُ بالحنين للماضي الجميل الذي جمعني مع أفراد عائلتي، والذي لم يستطع أن يعوّضه المال ولا الحياة المتطورة في تركيا، كنتُ أعي حجم الدمار في مدينتي، لكن لم أكن أعلم أنني سأعيش غربة جديدة وأنا داخل بلدي”.

اليوم، يخطط حسن للرحيل مجدداً نحو تركيا، بعد أن سبقته أسرته إلى هناك، هرباً من مدينة يشعر أنها “ماتت ولن تعود للحياة”، يدفعه إلى ذلك رغبته في أن تحظى أسرته بمستوى أمني ومعيشي وتعليمي أفضل.

قصة حسن ليست استثناءً، بل جزءٌ من مشهد أوسع تعيشه مدينة دير الزور، التي شهدت منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، عودة آلاف السكان، في وقت ما تزال فيه المدينة تواجه دماراً واسعاً وتراجعاً حاداً في الخدمات والبنية التحتية.

وتشير إحصائيات مكتب الخدمات الاجتماعية في دير الزور، إلى عودة نحو 2400 عائلة إلى المدينة خلال العامين الأخيرين، كثيرون منهم كانوا مدفوعين بالحنين والرغبة في الاستقرار، قبل أن يصطدموا بواقع اقتصادي وخدمي وأمني متدهور.

المشهد الأمني والاجتماعي

 تبرز حالة الاستياء العام بين شريحة من العائدين من الفجوة الكبيرة بين تطلّعاتهم لحياة مستقرة والواقع الفعلي، إذ تواجه المدينة تحدياتٍ جسيمةً تجعلها في وضعها الحالي بيئة غير طاردة فحسب، بل وخطرة على استقرار العائدين، فلا تزال الاستجابة الحكومية قاصرة عن توفير الخدمات والفرص وسط ضعف الإمكانيات.

وترى الكاتبة والإعلامية رشا الحسين أن الواقع الخدمي والمعيشي في دير الزور ما يزال سيئًا، فهي “مدينة منهكة مدمرة وسكانها يعيشون تحت خط الفقر”.

وتشير إلى أن أبرز العقبات أمام العائدين، هي توفير السكن والعمل إلى جانب التحديات الاجتماعية والسلوكية، فهم يواجهون صعوبات بالاندماج، ويتعرضون للتنمّر بوصفهم “هربوا من البلد ولم يعيشوا الأزمة”.

كما أن الوضع الأمني يعاني تحدياتٍ “بسبب الفلول وضعاف النفوس وضعف السلطات الأمنية ما جعل الناس تُحجم عن العودة، والبعض عاد ثم غادر على الفور”. وتصف إكرام محمد المحمد، التي كانت نازحة إلى منطقة حَمّار العلي، ما وجدته من وضع مدينة دير الزور بعد عودتها بأنه “أسوأ من التوقعات بكثير”، مضيفةً: “الخدمات كانت في مناطق النزوح أفضل مما هي عليه في المدينة حالياً لأن البنية التحتية لم تُصب بأيّ ضرر هناك عكس ما حصل في المدينة”.

ورغم حدوث بعض التغييرات الإيجابية من وجهة نظرها، كإتاحة فرصة العودة الطوعية، وحرية الرأي والتجوّل دون خوف أو قيد وتراجع القبضة الأمنية مقارنة بسنوات ما قبل سقوط النظام، لا تزال صعوبات عدة تواجه العائدين أبرزها عدم توفر فرص العمل، كما أن الاستجابة الرسمية للشكاوى ضعيفة جداً بسبب نقص الإمكانيات، وتعتبر إكرام أن المدينة تحتاج إلى “إعادة هيكلة بشكل كامل بما في ذلك البنية التحتية والفوقية”.

دمارٌ ونقصٌ في الخدمات يعيق الحياة

 تقف مدينة دير الزور اليوم منهكةً بين أنقاض الماضي؛ مع إرثٍ ثقيلٍ من الدمار الهائل الذي خلفته سنوات الحرب والإهمال والتهميش الذي عانته على مدى عقود، وفوضى الحاضر وسط غياب خططٍ حكوميةٍ استراتيجيةٍ تنتشلها من واقعها.

ويصف عائد من لبنان، فضّل عدم الكشف عن اسمه، حال دير الزور بأنها مدينة “مهمّشة ومنسيّة”، وقد فوجئ بعد عودته وأسرته بمدى غياب الموارد كونها تقع في محافظة غنية بالثروات.

ويوضّح الصعوبات التي واجهته بقوله: “لم أتمكن من العودة إلى منزلي لأن الحي مدمّر بشكل شبه كامل والمنطقة غير مؤهلة للسكن، اضطررتُ إلى استئجار منزل بمنطقة الجورة رغم غلاء الإيجارات التي تبدأ من مليوني ليرة سورية، المعيشة مرتفعة ولم أستطع إيجاد عمل، أحصل على مساعدة من أخي الذي يعيش في ألمانيا لكنها تكفي فقط لعدة أيام”.

ويضيف: “تعمّ المدينة الفوضى، ويوجد فلتان أمني في بعض المناطق، كان الوضع في لبنان أفضل بمليون مرة ولكننا رجعنا بحثاً عن الاستقرار”.

من جانبه يُبيّن حسن، العائد من تركيا، العقبات التي حالت دون استقراره في دير الزور ودفعته للتفكير بالهجرة مجدداً، بالقول: “خفتُ كثيراً على أسرتي من حالات خطف الأطفال وانتشار المخدرات والفساد والسرقة والفوضى الأمنية، كما صدمتُ بالأشخاص الذين يسكنون الحي، لا أعرفهم ولا أستطيع الوثوق بهم، يوجد انحدار في المستوى الأخلاقي وتنكّر واضح للعادات والتقاليد الإيجابية التي تربّينا عليها، هناك تغييرٌ ديمغرافيٌّ للناس والأماكن، ومسحٌ لكل ما هو جميل كنت أتمنى أن أجده عند العودة”.

ويتابع القول حول الخدمات المتوفرة: “الكهرباء شبه معدومة، إيجارات المنازل مرتفعة، خدمة الانترنت بطيئة، المنظومة التعليمية متهالكة، فضلاً عن سوء الوضع الصحي، لم أستطع الحصول على علاج لزوجتي بقسم النسائية بسبب الفوضى والإهمال وعدم توفر الدواء في المشافي”.

ويكشف حسن عن خللٍ بنيويٍّ في التوظيف الحكومي، إذ يشكّل الحصول على فرصة عمل تحدياً بحد ذاته: “قدمتُ لعشر جهات حكومية، منها عسكرية وأمنية، ولكن في كل مرة يتم استبعادي لعدم تطابق معيار الطول، صدمتُ بالتمييز الحاصل بين أهل الريف والمدينة، وبوجوب الحصول على تزكية من الشيخ لأي شاب يرغب بالعمل”. يجد حسن اليوم نفسه أمام مدينة لا تشبه ذاكرته، وسط شعورٍ جارفٍ بخيبة الأمل؛ إذ يقول: “يدفعني للرحيل يأسي من عودة مدينتي كما كانت، في ظل دمار الأنفس والبيوت، وعجز الجهات الرسمية عن تطبيق القانون وحتى مراقبة الأسعار. لقد صدمتُ من بقاء الكثير من رموز النظام السابق في مناصب رسمية، لاسيما ضمن الأفرع الأمنية بعد تسوية أوضاعهم مع الحكومة الجديدة”.

ويختم حسن حديثه بالقول: “حاولتُ دائماً النظر للجانب المشرق لكن الظلام كان في كل مرة يمسح كل شيء، حتى الأغاني الوطنية التي كانت تشعل حماسي للعودة، قمتُ بمسحها من جوالي لأنني أحبطتُ جداً”.

 المسؤولية الحكومية

 تقرّ جهات رسمية بضعف الخدمات الأساسية المقدمة للعائدين، ويؤكد يحيى السلامة من مكتب الخدمات الاجتماعية وجود قصور في تأمين الاحتياجات اللازمة بمجالات الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل والسكن، عازياً ذلك إلى تضرر البنى التحتية، بما في ذلك المدارس والمستوصفات الطبية، إلى جانب قلة السيولة المالية للمنظمات غير الحكومية.

وعن البرامج الحكومية الحالية المقدمة للعائدين يشير يحيى إلى توفير خدمات طبية أسرية موجهة للأطفال والنساء وكبار السن تشمل المعاينات الطبية والتحاليل والأدوية، إضافة لدمج الأطفال ذوي الإعاقة في المعاهد وتوفير احتياجاتهم وتقديم جلسات توعية تخصّهم.

ويلفت إلى وجود خطط مستقبلية لتحسين واقع العائدين، منها: إقامة ورشات إرشاد وظيفي وتدريب مهني للراغبين بالدخول في سوق العمل، دعم البرامج التعليمية للمتسربين عن طريق المنظمات غير الحكومية، تعزيز الاستجابة الاجتماعية الطارئة، تطبيق استراتيجية وطنية لرعاية كبار السن، دعم الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للمرأة، الرعاية المتكاملة للأطفال فاقدي الرعاية الأسرية والأيتام، دعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

ويبيّن يحيى وجود تعاون مع منظمات محلية ودولية لدعم تنفيذ هذه الخطط، منها: مفوضية شؤون اللاجئين، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الهلال الأحمر، منظمة آدرا، مؤسسة شام، جمعية بصمة فراتية، المنتدى السوري.

واقعٌ خدميٌّ مريرٌ

 تؤكد استطلاعات للرأي أجراها المركز السوري لدراسات الرأي العام (مدى) في تشرين الأول/أكتوبر 2025 حول الحياة العامة في دير الزور في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، تدني مؤشرات الحالة الأمنية، والخدمات التعليمية، والصحة والكهرباء، وغياب الحلول لانتهاكات حقوق الملكية وأزمة السكن في مدينة بلغت نسبة الدمار في بعض أحيائها مئة بالمئة، فيما تُقدَّر كمية الركام بنحو 75 ألف طن.

وترصد الهيئة العالمية للإغاثة والتنمية (أنصر) في تقرير لها، تفاقم الاحتياجات الإنسانية واحتياجات التعافي المبكر في محافظة دير الزور خلال عام 2025، نتيجة سنوات من النزاع والنزوح الواسع، في ظل عودة أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وقد أدى تداخل هذه العوامل إلى خلق بيئة شديدة الهشاشة. وتؤكد المنظمة على ضرورة التدخلات الفورية والمستدامة في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والبنية التحتية الزراعية لدعم الاستقرار وتعزيز التعافي.

وفي السياق نفسه، يبيّن تقرير “التقييم متعدد القطاعات للاحتياجات في دير الزور 2025” (MSNA) الصادر في شهر نيسان من نفس العام، عن منظمة “توتول للإغاثة والتنمية” بالتعاون مع “مكتب تنسيق العمل الإنساني” (HAC)، تدهور خدمات الصحة والتعليم والأمن الغذائي في مدينة دير الزور، نتيجة ضعف التمويل والتحديات اللوجستية والأمنية التي تعيق جهود التعافي وإعادة الإعمار.

ويقدّم التقرير صورة شاملة عن الواقع الإنساني والخدمي والمعيشي في محافظة دير الزور بعد سنوات الحرب والنزوح، مع التركيز على أوضاع العائدين والنازحين والبنية التحتية والخدمات الأساسية.

ويشير إلى أن: “نحو 77% من المساكن في مدينة دير الزور تحتاج إلى ترميم أو تدعيم، وتعاني الأسر من الاكتظاظ والسكن في أبنية غير مكتملة أو متضررة، وقد شهدت المدينة أعلى نسبة ارتفاع في الإيجارات مقارنة بالمناطق الأخرى”.

وزاد الفقر بنسبة كبيرة إذ “فقدت 50% من الأسر واحداً على الأقل من مصادر دخلها وتعتمد غالبيتها على العمل اليومي المؤقت أو الحوالات المالية كمصدر رئيس للدخل، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة وصلت إلى 50% خلال الأشهر الستة الأخيرة من إعداد التقرير، وتلجأ 75% من الأسر إلى استراتيجيات سلبية للتكيّف مثل تقليل الوجبات أو الاستدانة”.

فضلاً عن سوء الخدمات: إذ “يعتمد 58% من السكان على مصادر مياه غير آمنة لأن إمدادات المياه عبر الشبكة العامة متقطعة وغير كافية نتيجة نقص الكهرباء وتضرر البنية التحتية، كما تعاني المدينة من مشاكل حادة في الصرف الصحي وتراكم النفايات وضعف خدمات النظافة، ما أدى لتفشي أمراض عدة بينها الكوليرا والإسهال، بينما تعاني المرافق الصحية من ضغطٍ مرتفعٍ ونقصٍ في الكوادر الطبية والمعدات”.

ويبدو قطاع التعليم في المدينة كارثياً إذ إن ” 40% من الأطفال خارج المدارس، وهي النسبة الأعلى بين المناطق المشمولة بالدراسة، كما تعاني المدارس من نقص في المعلمين والمواد التعليمية واللوجستيات”.

رؤية مستقبلية لتعافي دير الزور بأعين عائديها

 تشير التقديرات الحقوقية والشهادات الميدانية إلى أن مدينة دير الزور غير مؤهلة لاستقبال موجات عودة واسعة، في ظل عمق الفجوة بين الخطط الحكومية الحالية والاحتياجات الفعلية للسكان.

ويرتبط استقرار المدينة ومستقبل تعافيها ارتباطاً وثيقاً بمدى الاستجابة للمطالب الجوهرية لأهلها، والتي ترتكز على ثلاثة أعمدة رئيسة لا تقبل التأجيل: تأمين السكن، والنهوض بالواقع الخدمي والمعيشي، ومعالجة المشكلات الاجتماعية لضمان عودة كريمة ومستقرة للأهالي.

وتتمثّل أبرز مطالب العائدين وتطلعاتهم لمرحلة التعافي بما يلي:

-الدمج المجتمعي واستثمار الكفاءات: التوقف عن تهميش العائدين، والعمل على استقطابهم عبر استثمار خبراتهم وتجاربهم، إلى جانب عقد جلسات توعية مشتركة لكسر الحواجز بينهم وبين المقيمين وتعزيز التماسك المجتمعي.

-التمكين الاقتصادي والمبادرات التنموية: توفير دعم مالي مباشر (منح أو قروض ميسرة) من الحكومة والمنظمات لتمكين العائدين من تأسيس مشاريعهم الخاصة، بالتوازي مع خلق فرص عمل تشمل الفئات المتعلمة وغير المتعلمة لتحسين المعيشة وضبط الأسعار.

-الأمن والاحتياجات الأساسية: تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، ومراعاة الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها العائدون، وتعزيز الواقع الأمني في المنطقة، ورفع مستوى الخدمات.
وتعزي الإعلامية رشا الحسين بطء عملية التعافي إلى وجود خلل في ترتيب الأولويات لدى المؤسسات الحكومية يعيق تسريع عملية إعادة الإعمار، وترى أن الفجوة الأساسية تكمن في: “تركيز الجهات المسؤولة على النواحي الجمالية والساحات والإنفاق غير المدروس، بدلاً من توجيه الدعم لتأهيل المنازل والمقار الحكومية المدمرة لحل أزمة السكن المتفاقمة.”

يأتي ذلك بالتزامن مع: “غياب الخطط الحكومية السريعة والميزانيات الموجهة، واستمرار إهمال المدينة، فضلاً عن تولي بعض المسؤولين غير المختصين أو الفاقدين للمبادرة لمواقع القرار”.

يبقى مستقبل مدينة دير الزور مرهوناً بمدى قدرة الجهات الحكومية على وضع رؤية إصلاحية شاملة وتحويل الخطط إلى واقع، إلى جانب تضافر حقيقي للجهود مع المنظمات المحلية والدولية، حتى تتحول عودة الأهالي من مغامرة محفوفة بالمخاطر وخيبات الأمل إلى بداية حقيقية لحياة مستقرة بعد سنوات من المعاناة.

شارك المنشور : 

آخر المستجدات