فتح التغيير السياسي في سورية فجر يوم 8 كانون الأول 2024 الطريق أمام السوريين والسوريات لإعادة امتلاك بلدهم-ن وصناعة مستقبل مُزهر يرتجونه له. هذا إنجاز كبير تحقق، ويتطلب من القوى النشطة في المجتمع السوري أن تُعيد بناء أدوارها بما يتناسب مع ما يُتيحه من فرص العمل على مطالب وأولويات السوريين والسوريات في مرحلة انتقالية تحمل وعودًا كبيرة كما تحفل بمخاطر وتحديات قانونية وحقوقية وسياسية وأمنية واقتصادية كبيرة ومُعقَّدة.
ثمة اليوم آمرٌ أخلاقي ووطني لأن يبني المجتمع المدني السوري والتنظيمات السياسية، التقليدية منها والناشئة، والنقابات والاتحادات الحرفية والمهنية رؤية شاملة تُنظم عبرها أدوارها في سورية ومن أجلها، إرادةً ومطالبًا ووعودًا، وتُسهم في معالجة ما خلفه الاستبداد من مظالم، وتحول دون التغافل عن حقوق السوريين والسوريات أو التنكر لها في مسار إعادة بناء نظام سياسي جديد في البلاد؛ نظام نناضل لأن يعمل بدستور عصري وبآليات ديمقراطية لبناء السلطة وتداولها في دولة سيدة لشعب من مواطنين ومواطنات أحرار تضمن حقوقهم، وتحميهم من تكرار الانتهاكات.
تحتاج هذه الرؤية لأن يبلور العاملون-ات في الشأن العام الوطني سياسات عملية تضع مبدأ الحق في مركز تطلعها ومطلبها وفعلها؛ كما تفترض تحقيق سلم أهلي واستقرار سياسي قابلين للاستدامة، وهذان بدورهما يتطلبان ويفترضان تحقيق الأمن، واستعادة الدولة، وحل الميليشيات المرتبطة بالخارج، ومعالجة ملف المُقاتلين الأجانب، ودمج المُسلحين المؤهلين في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، والرفع الكامل للعقوبات، ووقف الاعتداءات الخارجية، وصون وحدة البلاد وسلامة أراضيها.
تُلح الحاجة اليوم لأن تُعلن الروابط والمنظمات السورية العاملة في الشأن العام المدني والحقوقي والسياسي والاجتماعي التزامها التوافق على مبادئ عامة مُشتركة تُنظم توجهاتها وأدوارها وبرامجها في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ بلدنا من أجل إنصاف الملايين من المواطنين والمواطنات، النساء والأطفال والرجال، ممَنْ ضحّوا واستشهدوا وأصيبوا وهجروا، وعذّبوا وانتهكت أجسادهم-ن، ومن أجل ألّا تدفع أجيالٌ سوريّة قادمة ثمن تهاون أو تساهل أو تنكر منَا لحقوقها وكراماتها.
عليه، تطرح هذه الورقة مبادئ عامة بوصفها مُشتركات الحد الأدنى الضروري لإحقاق حقوق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سورية كافة، وتحقيق العدل والإنصاف لهم-ن ولأسرهم-ن، ومنع تكرار هذه الانتهاكات في المُستقبل، تشمل هذه المبادئ:
- التوافق على مرجعية قانونية، وإطار عمل مُشترك متعددي الأطراف والمُستويات تشمل روابط أُسر الضحايا والناجين، ومنظمات المجتمع المدني السوري، وقانونيين-ات سوريين-ات مُستقلين-ات، ووكالات الأمم المتحدة ذات الصلة -المؤسسة المُستقلة المعنية بالمفقودين IIMP والآلية الدولية المُستقلة والمحايدة IIIM ولجنة التحقيق الدولية COI- وبالتنسيق مع حكومة سورية شرعيِّة.
- التوافق على مركزية دور الضحايا وأُسرهم والناجين والناجيات بوصفهم وبوصفهن حاملي وحاملات الحق الشخصي في إجراءات كشف المصير والمُساءلة والمحاسبة وجبر الضرر، وإقرارها في سياساتها.
- التوافق على المساءلة والمحاسبة طريقًا لتحويل طبيعة الصراع، وتحقيق مُصالحة وطنية شاملة، وبناء سلم أهلي مُستدام. وهذا يستلزم توافقًا على معايير واضحة لإجراءات العفو والمصالحة والاستثناء منهما، وإقرارها في سياساتها؛ معايير تنسجم مع تأسيس سردية وطنية شاملة تُساعد في التعامل مع الماضي، وشرحه، وتجاوزه ما يمنع تكرار المظالم والانتهاكات.
- التوافق على لزوم الربط بين إعادة الإعمار من جانب، وتنمية المجتمع وحياة سياسية تعددية وديموقراطية على أساس المواطنة الكاملة والمتساوية دون تمييز وتداول سلمي للسلطة من جانب آخر، وإقراره في سياساتها.
- تشكيل إطار عمل تنسيقي وطني يجمع المنظمات الحقوقية وروابط الناجين وروابط أُسر المفقودين-ات وضحايا الانتهاكات والجرائم الجسيمة، والهيئة الوطنية للمفقودين، والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، من أجل مراقبة أية تجاوزات أو انتهاكات لحقوق الإنسان جرت وتجري خلال المرحلة الانتقالية وتوثيقها والإبلاغ عنها بغرض منع التكرار وحماية السلم الأهلي.
- التوافق على وبناء برنامج شامل للعدالة الانتقالية، يتبع نهجًا مرتكزًا على حقوق وحاجات الضحايا وأُسرهم، ويستهدف معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتلك الناجمة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما فيها الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والقتل تحت التعذيب واستخدام الأسلحة الكيماوية والتدمير بقصد تغيير السكان والاستيلاء على الممتلكات والجرائم الجنسية. يضع هذا البرنامج أولوياته القصوى في الإصلاح المؤسساتي والدستوري والقانوني وكشف الحقائق، بما فيها مصائر المفقودين-ات لدى أطراف الصراع كافة، وجبر الأضرار التي لحقت بهم-ن وبأسرهم-ن، ويبني خطة لمُساءلة ومحاسبة المسؤولين-ات عن كل أنواع الانتهاكات الجسيمة؛ ويضع معايير لإجراءات العفو والمُصالحة والاستثناء منهما وفق القانون الدولي ومتطلبات العدالة والإنصاف، وأُسسٍ لبناء سردية وطنية شاملة تُنصف الضحايا والمُضحين وتعترف بالماضي وتحتويه وتتجاوزه، وتحول دون تكرار ما شهده من جرائم وانتهاكات. هذا البرنامج يتطلب مباشرة العمل على:
- وضع خارطة تفصيلية لتطوير البيئة القانونية السورية، تجعلها حساسة ومُستجيبة للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي شهدتها سورية خلال السنوات الأخيرة، وقادرة على محاسبة المُنتهكين من جانب وتلبية حقوق وحاجات الضحايا من جانب آخر. تتضمن هذه الخارطة: آ- إلغاء وإبطال أي قوانين أو مواد أو بنود أو إجراءات تُعيق مسارات الحق في الحقيقة والمحاسبة وتحقيق العدالة والانتصاف الفعال. ب- استحداث قوانين وإنشاء مؤسسات تعين هذه المسارات. ج- التوقيع والانضمام وقبول صلاحيات المعاهدات والمواثيق والمؤسسات الأممية والدولية ذات الصلة بهذه المسارات.
- وضع خارطة تفصيلية وشاملة بأنواع الجرائم والانتهاكات الجسيمة، وسجل وطني شامل لضحايا هذه الجرائم والانتهاكات كافة، تمهيدًا لرسم مسارات عدالة انتقالية في كشف المصير ومساءلة ومحاسبة المنتهكين وجبر أضرار الضحايا.
- حماية المقابر الجماعية والحفاظ عليها من العبث والنبش الجائر إلى أن يتوفر إطار قانوني وإرادة سياسية ومجتمعية مُستجيبة ومتقبلة لنتائج عمليات البحث، وفرق عمل تملك الخبرة والأدوات والمعدات الكافية اللازمة للتعرف على هويات أصحاب الرفات المدفونين فيها بالتعاون والتنسيق مع الحكومة السورية والمنظمات المحلية والمؤسسات الأممية ذات الصلة.
- حماية مقرات الأجهزة الأمنية، والمُعتقلات المُلحقة بها، والحفاظ على وثائقها وسجلاتها. وحماية سجلات الوزارات والمحاكم والسجون، وكل المؤسسات ذات الصلة، والعمل على إعداد وتنظيم هذه الوثائق والسجلات وما تحويه من معلومات من أجل الشروع في أعمال كشف مصائر المفقودين-ات ومُحاسبة المُنتهكين، ورد المظالم وإنصاف الضحايا.
- بناء قاعدة بيانات مركزية تُساعد في توفير أجوبة عن مصائر المفقودين-ات، وعن بُنى وآليات عمل أجهزة القمع من أجل مُحاسبة المُنتهكين وإنصاف الضحايا ومنع الإفلات من العقاب بالتنسيق والتعاون مع الحكومة السورية والمنظمات والمؤسسات الأممية ذات الصلة.
إننا نعول اليوم على حس المواطنة، وعلى إرادة السوريين والسوريات أن نأتلف شعبًا، في تحويل مبادئ الحد الأدنى المُشترك هذه إلى مهام وسياسات ونضالات مطلبية عامة تنقل مجتمعنا وبلدنا إلى زمن جديد، حر، كريم، آمن، عادل وخال من الاستبداد والعنف والقهر وانتهاك الحقوق ومصادرتها.
إنه تحدٍ عظيم ألقاه علينا التاريخ ومسؤولية جسيمة نحملها جميعًا، أفرادًا وروابط ومنظمات وتجمعات سياسية ومهنية واجتماعية، أن لا نسير نحو مُستقبل نبتغيه وقد خلفنا وراءنا امرأةً أو طفلًا أو رجلًا مقهورًا، أو مصيرًا مجهولًا، أو حقًا مهضومًا.
لتحميل نسخة PDF ورقة مبادئ عمل مشتركة لمنظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا



