العدالة اللغوية

يشغل موضوع السياسات اللغوية حيزاً واسعاً من النقاشات الحالية في سوريا، وهي واحدة من الإشكاليات أمام صناع القرار في دمشق، حيث تملك سوريا نسيج واسعاً من التنوع اللغوي على الجغرافية السورية. يضاف إلى هذا التنوع بعد 2011، الحجم الهائل للنازحين واللاجئين السوريين في دول الجوار والذين تعلّموا لغات جديدة، وخاصة بالنسبة إلى اللاجئين الموجودين في تركيا وإقليم كردستان العراق.

لم تصمم الدولة السورية أية سياسات لإدارة التنوع اللغوي في سوريا. وبدلاً من دعم اللغات المحلية واعتبارها مدخلاً لتعزيز الانتماء إلى دولة تحفظ الخصوصيات الثقافية لمواطنيها، عمدت الدولة السورية منذ تشكلها وبمستويات مختلفة إلى فرض حظر على اللغات غير العربية مثل الكردية والسريانية والأرمنية وغيرها، في حين أن المتحدثين بهذه اللغات يشكلون ما يقارب 20٪ من مجموع سكان البلاد.

 ستبحث هذه الورقة في أثر السياسات اللغوية للدولة السورية على حصول نوع مما يمكن تسميته بـ”الإبادة اللغوية” لمتحدثي اللغات المحلية في سوريا، مثل اللغات الكردية والسريانية غيرها.  كما ستبحث الورقة في تعامل سوريا الجديدة مع قضية التنوع اللغوي، والآثار الممكنة التي تتركها سياسات لغة تضمينية شاملة على بناء السلام وبناء دولة حديثة تحترم الخصوصيات الثقافية لكل المواطنين وتخصص الموارد الكافية لحماية الخصوصيات الثقافية كعنصر أساس لتعزيز الشعور بالانتماء.

ونتيجة لظروف الأمر الواقع، سيطرت قوات سوريا الديمقراطية مع جناحها الإداري “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” على مساحة واسعة من الأراضي السورية، مع كتلة بشرية كبيرة (بحدود ال 4 مليون نسمة)، حيث قامت هذه الإدارة بتطبيق سياسية لغوية مختلفة عن المركز في معظم مؤسساتها، بالإضافة إلى العملية التعليمية في المناطق التي تسيطر عليها، وهي تختلف بشكل كبير عن تلك الموجودة في المناطق السورية الأخرى والتي خضعت بدورها لسلطات الأمر الواقع.

 وإلى جوار السياسة التعليمية، لم تعترف الدولة عبر سياساتها اللغوية، بصورة عامة، منذ تشكل الدولة السورية المعاصرة إلا باللغة العربية لغةً رسمية للبلاد ولغة وحيدة للتعليم، مع تهميش، وحتى حظر، اللغات الأخرى الموجودة في سوريا. أدت هذه السياسات إلى رد فعل عكسي من الجماعات اللغوية الموجودة في سوريا تجاه السلطات السياسية.

بعد سقوط نظام بشار الأسد، وطريقة إدارة السلطة المؤقتة الحالية للتنوع في المجتمع السوري، ظهرت أسئلة جديدة حول كيفية، أو لنقل قدرة هذه الإدارة، على إدارة هذا الملف الذي كان من أحد التحديات لأي سلطة في سوريا، ويبرز التحدي بالدرجة الأولى في كيفية التعامل مع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وبشكل متفاوت التعامل مع ملفات أخرى (النازحين واللاجئين).

ولأجل حل قضية التنوع اللغوي في سوريا، ينبغي إخراج هذه القضية من زاوية النظرة القومية المتشددة والقائمة على سياسة لغة الأكثرية في مقابل لغة الأقلية. كما ينبغي نقاش هذه القضية من زاوية لا ترى في الأقليات خطراً يهدد كيان الدولة، ورؤية المطالب اللغوية كمطالب معتبرة تساهم في تحقيق المواطنة المتساوية وكشرط وعامل أساسي لتعزيز الانتماء للدولة، بوصفها دولة تحترم خصوصيات مواطنيها وتخصص الموارد اللازمة لتطوير وإبراز هذه الخصوصيات.

تناقش هذه الورقة السياسات اللغوية في سوريا ومن ضمنها السياسات التعليمية التي يجب الأخذ بها لجميع المكونات السورية بغض النظر عن النطاق الجغرافي أو الديمغرافي، بما يحقق العدالة اللغوية لجميع ناطقي اللغات الموجودة في سوريا. وقد قسمت الورقة إلى:

المحور الأول: البرامج السياسية للسياسات اللغوية التي تطرحها الأطر السياسية المختلفة في سوريا؛ على سبيل المثال: الإدارة الجديدة في سوريا (الشخصيات الرئيسة فيها، الإدارات المسؤولة)، الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

المحور الثاني: ماهي الرؤى أو الأشكال التي يجب السعي إليها في النقاشات والمفاوضات لتثبيتها كنقاط دستورية تحقق العدالة اللغوية بين جميع الجماعات اللغوية في سوريا، وما هو الشكل المطلوب لتنفيذ هذه السياسات اللغوية، أي كيف ستنعكس هذه السياسات في مؤسسات الدولة المختلفة.

المحور الثالث: يتطلب التداخل الكثيف بين المكونات اللغوية في سوريا وجود سياسة تعليمية فريدة، ومع النقاشات حول اللامركزية السياسية والإدارية، يمكن طرح اللامركزية التعليمية أيضاً، وهنا تطرح الدراسة التصورات التي يمكن تطبيقها على الحالة السورية بشكل عام وفي حالة شمال وشرق سوريا بشكل خاص.

المحور الرابع: تقييم مشروع الإدارة الذاتية في تطبيق السياسات اللغوية في شمال وشرق سوريا، وهل لهذه السياسات أساس يستند عليه في شكل السياسات اللغوية في سوريا ككل، وكيف؟

المحور الخامس: تقترح الورقة حلولاً للوصول إلى سياسية تعليمية عادلة لكافة المكونات اللغوية، إضافة إلى شكل النظام التعليمي الذي يمكن تطبيقه.

استندت الورقة على مصادر أولية من خلال جلسات نقاش مركز (ثلاث جلسات في كل من مدينة القامشلي والرقة ودير الزور) مع مسؤولين في الإدارة الذاتية، الهيئة التعليمية الموجودة في الإدارة الذاتية، ممثلون عن الأحزاب الموجودة (العربية والسريانية والكردية)، خبراء في التعليم والسياسات، نشطاء من المجتمع المدني، أهالي.  وأيضاً على المصادر المفتوحة من الوثائق والتقارير والأبحاث ذات الصلة بالموضوع، وتم التقاطع بين هذه البيانات وتحليلها ودراستها.

لقراءة الورقة كاملة: العدالة اللغوية دراسة في اللامركزية التعليمية في سوريا

شارك المنشور : 

آخر المستجدات