أُبي كرد علي – مدير الوحدة القانونية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط
منذ انطلاق الثورة السورية، شهد السوريون والسوريات طيفاً واسعاً من الفظائع والجرائم التي طال أثرها الملايين. فقد عانوا من الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والإخفاء القسري، وتهجير السكان بما يخالف القانون، ونهب الممتلكات، واستهداف المدنيين بأسلحة محرمة دولياً، والهجمات العشوائية، والقتل خارج نطاق القانون، والجرائم الجنسية، وتجنيد الأطفال، وغيرها الكثير من الجرائم التي ارتكبت في سياق النزاع المسلح، أو بشكل واسع النطاق ضد السكان المدنيين، أو وفق سياسة ممنهجة.
لم تقتصر هذه الجرائم على طرف واحد. فجميع أطراف النزاع، محلية كانت أم دولية، كانت لها حصتها من الانتهاكات على امتداد السنوات الماضية. وقد خلّفت هذه الحقبة ملايين الضحايا الذين ما زالوا يتطلعون إلى عدالة حقيقية تعترف بما عانوه، وتكشف مصير أحبائهم، وتجبر ضررهم، وتنصفهم ممن ارتكب هذه الفظائع بحقهم.
مخاوف من انتقائية العدالة في سوريا
منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، تعالت الأصوات الحقوقية المطالبة بإطلاق مسار عدالة انتقالية شامل، يُعنى بكل الفظائع والانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الثورة السورية من قبل جميع الأطراف المتنازعة، وعلى امتداد الجغرافيا السورية. وقد شددت هذه الدعوات على ضرورة أن يكون هذا المسار مرتكزاً على الضحايا، وأن يتجاوز الإطار الضيق للعدالة الجنائية ليشمل كذلك آليات كشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وضمانات عدم التكرار.
وفي ظل غياب إطار قانوني ينظم العدالة الانتقالية في سوريا، برزت الحاجة إلى تأسيس هذا الإطار في المرحلة الجديدة. وقد بدأت ملامح ذلك تظهر في بعض المواد الواردة في الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025، غير أن هذه المواد لم تستجب بالكامل للأصوات التي نادت بشمولية مسار العدالة، إذ ركزت اللغة المستخدمة في بعض النصوص بشكل صريح على الجرائم التي “ارتكبها النظام البائد” دون أن تُبقِ النص على عمومه، أو تشير بالمثل إلى الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها أطراف أخرى.
فعلى سبيل المثال، نصت المادة (49) من الإعلان على استثناء “جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية، وكل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين”. و بموجب ذلك، يسمح الإعلان الدستوري بتطبيق أي قوانين جديدة تجرم هذه الأفعال بأثر رجعي على ما وقع منها في الماضي.
ورغم أن النص يمكن تفسيره بما يتيح انطباقه على مختلف الجرائم المذكورة بغض النظر عن مرتكبيها، من حيث إن العطف بين الجرائم الواردة في نص المادة يفيد الجمع بين هذه الأفعال لا تبعيتها لما ارتكبه نظام الأسد، إلا أن الصياغة المعتمدة توحي بوجود توجه سياسي يركز المساءلة على جرائم النظام السابق دون غيره. ويتعزز هذا الانطباع عند قراءة الفقرة اللاحقة من المادة نفسها، والتي جرمت تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه، وإنكار جرائمه أو تبريرها أو التهوين منها، دون أن يمتد التجريم ليشمل تمجيد الأطراف الأخرى أو تبرير أو إنكار ما ارتكبته من انتهاكات جسيمة بحق السوريين والسوريات. هذا التمييز في الصياغة يعكس في جوهره مقاربة انتقائية للعدالة تهدد مبدأ الشمولية الذي يفترض أن تقوم عليه العدالة الانتقالية في سوريا.
وفي 17 أيار 2025، صدر المرسوم الرئاسي رقم 20 المنشئ للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ليكرّس هذا التوجه السياسي بشكل أكثر وضوحاً. فقد نص المرسوم على تشكيل هيئة تُعنى بـ”كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.” هذا النص جاء أكثر تقييداً مما ورد في الإعلان الدستوري، إذ حصر بشكل صريح نطاق عمل الهيئة في الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، مستبعداً الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف أخرى في النزاع السوري.
وقد أثار هذا التوجه انتقادات حقوقية واسعة، حذرت من خطورة مسار انتقائي للعدالة، يكرس التمييز بين الضحايا ويهمش أولئك الذين عانوا على يد أطراف أخرى، ما يهدد بتحويل العدالة من مسار وطني جامع إلى ورقة سياسية بيد المنتصر. وفي هذا السياق، فقد دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الهيئة للنظر بالانتهاكات المرتكبة من قبل كافة الأطراف وفق نهج شامل يتمحور حول الضحايا، ويكفل مشاركة المجتمع المدني بشكل فعال.
محاولات الهيئة الوطنية لتوسيع نطاق اختصاصها
منذ تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبر العديد من أعضائها في لقاءات مختلفة عن التزامهم الجاد ورغبتهم الصادقة في أن يكون مسار العدالة الانتقالية في سوريا شاملاً وغير محصور بجرائم نظام الأسد وحده. وأكدوا أنهم يبذلون جهداً حقيقياً للدفع نحو مقاربة أكثر شمولية تنصف جميع الضحايا بغض النظر عن هوية الجهة المسؤولة عن الانتهاك.
وفي هذا الإطار، أشار أعضاء الهيئة مراراً إلى مساعٍ لتبني تفسير مرن لنص المرسوم رقم 20 لعام 2025، بهدف توسيع مسار العدالة الانتقالية ليشمل كافة الانتهاكات التي ارتكبتها الأطراف المختلفة. يرتكز هذا التفسير في جوهره على عبارة “الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد”، على أساس إمكانية قراءتها بشكل موسع يتيح العمل على جميع الانتهاكات الجسيمة التي وقعت في سوريا، انطلاقًا من فرضية أن نظام الأسد كان السبب الجذري الذي مهد لارتكاب تلك الانتهاكات من قبل مختلف الأطراف. ووفق هذا التفسير، يمكن اعتبار هذه العبارة مدخلاً لفتح الباب أمام مسار عدالة انتقالية شامل لا يقتصر على طرف دون آخر.
خطوة في المسار الصحيح؟
رغم الجهود المقدّرة لهيئة العدالة الانتقالية في توسيع نطاق اختصاصها، إلا أن التفسير الذي اعتمدته يثير إشكاليات قانونية وتطبيقية، من حيث إنه قائم على فرضية أن نظام الأسد كان المسبب في كافة الجرائم الأخرى التي وقعت في سوريا على يد الأطراف المختلفة.
فبدايةً، لا يمكن القول قانونياً بأن جميع الجرائم التي ارتكبتها الأطراف الأخرى كانت بسبب نظام الأسد، إذ تُدرس العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة الجرمية من قبل القضاء بناءً على كل حالة على حدة، وبالتالي فإن افتراض وجود علاقة سببية بين مختلف الجرائم المرتكبة خلال أربعة عشر عاماً هو غير دقيق قانوناً.
ومن ناحية أخرى، يتناقض هذا التفسير مع مفهوم العلاقة السببية التي يجب أن تربط بين الفعل والنتيجة في القانون الجزائي السوري، حيث تنص المادة 203 (2) من قانون العقوبات على أنه في حال وقوع سبب لاحق مستقل عن فعل الفاعل، وكان كافياً بذاته لإحداث النتيجة الجرمية، فإن هذا السبب يقطع العلاقة السببية بين الفعل الأصلي والنتيجة الجرمية. وبمعنى آخر، لا يمكن القول بأي شكل قانوني إن جريمة اغتصاب ارتكبها أحد عناصر الجيش الوطني مثلاً لم تكن لتحدث لولا نظام الأسد، بحجة أن هذا الجيش لم يكن ليتشكل لولا جرائم النظام واندلاع الثورة في سوريا. فبكل بساطة، الفعل الذي قام به عنصر الجيش الوطني هو فعل قائم بذاته، مستقل، وكافٍ لإحداث النتيجة الجرمية.
كذلك الأمر بالنسبة للجرائم المرتبطة بشكل وثيق بصفة الجاني، كما هو الحال على سبيل المثال في جريمة الحرب المتعلقة بقيام دولة الاحتلال بإبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها. فهذه الجريمة لا يمكن أن تقع إلا من قبل دولة احتلال في سياق نزاع مسلح دولي، ولا يمكن نسبها لأجهزة الدولة الخاضعة للاحتلال. وقد حدثت في سوريا حالات يمكن أن تنطبق عليها عناصر هذه الجريمة في المناطق التي سيطرت عليها تركيا في الشمال السوري، وما قامت به بالتعاون مع الجيش الوطني آنذاك بتهجير السكان من المناطق ذات الأغلبية الكردية.
إن ربط جرائم الأطراف الأخرى بعلاقة سببية مع جرائم النظام سيطرح عملياً إشكالات قانونية أمام القضاء ويخلق عقبات غير مبررة أمام النيابة العامة، إذ سيُلزمها بإثبات هذه العلاقة في كل دعوى ترغب بتحريكها ضد مرتكبي الجرائم من الأطراف الأخرى غير نظام الأسد. وهذا سيزيد من صعوبة الادعاء، ويثقل كاهل الجهات الفاعلة في مجال العدالة دون أي ضرورة حقيقية. وفوق ذلك، قد يفتح هذا النهج الباب أمام تفسيرات متباينة لمفهوم العلاقة السببية بين الأفعال المرتكبة ويعطي سلطة تقديرية واسعة للقاضي في تحديدها، بما يجعل محاسبة المجرمين من غير نظام الأسد عرضة لضغوط سياسية غير مرغوبة.
وإضافةً إلى أن هذا التفسير لنص المرسوم سيثير إشكاليات قانونية لاحقة أمام القضاء، فإنه ينطوي أيضاً على معاملة غير عادلة بين الجناة وبين الضحايا. ففي حال افترضنا أن عناصر نظام الأسد هم المتسببون بكل الجرائم المرتكبة من قبل الأطراف الأخرى، لوجب أن تكون مسؤوليتهم أكبر، لأنهم ارتكبوا جرائم مباشرة وتسببوا بجرائم ارتكبتها أطراف أخرى. أما الجناة من الأطراف الأخرى، فيمكن أن تُخفف مسؤوليتهم، على الأقل في أعين الناس، بدعوى أنهم لم يكونوا ليقوموا بأفعالهم لولا ما تسبب به نظام الأسد. وهذه النهج غير منصف لضحايا هذه الأطراف.
الفرصة الأخيرة نحو نهج شامل للعدالة الانتقالية
قد يرى البعض أن إخضاع كافة أطراف النزاع للمحاسبة هو طرح غير واقعي وقد يهدد السلام والاستقرار في البلاد، وهما الأولوية القصوى في المرحلة الراهنة إلى جانب محاسبة عناصر نظام الأسد. غير أن كلفة استبعاد هذه الأطراف من العدالة قد تكون مساوية في الخطورة، إن لم تكن أشد، على الأمن والاستقرار والسلم الأهلي على المدى البعيد. ذلك أن هذا النهج الانتقائي سيولد تحديات أمنية جسيمة تهدد السلم الأهلي وتقوض بناء دولة يسودها القانون.
في ظل الوضع الأمني الهش في سوريا، قد تفضي انتقائية العدالة إلى ردود فعل تمردية من المجموعات التي ستطالها المحاسبة، انطلاقاً من قناعتها بأن مسار العدالة مسيّس وغير شامل. وفي المقابل، ستنتج شعوراً بالأمان من العقاب لدى المجموعات التي لن تشملها المساءلة، ما قد يدفع ببعض عناصرها إلى التعسف في استخدام سلطاتهم الجديدة. فضلاً عن ذلك، فإن هذا النهج لن يُسهم في تحقيق إنصاف حقيقي لضحايا الأطراف المختلفة، بل سيكرس صورة مفادها أن هؤلاء الضحايا هم الأقل حظاً في مسار العدالة الانتقالية، وأن معاناتهم أقل أولوية في سوريا الجديدة.
في ضوء ما سبق، يبقى الأمل في تطوير نهج شامل للعدالة الانتقالية معلقاً على جهود الهيئة الوطنية في إعداد مشروع قانون العدالة الانتقالية وإقراره من قبل مجلس الشعب ليصبح نافذاً. ولتفادي أي مظهر صريح أو ضمني للانتقائية، ينبغي أن ينص القانون بوضوح لا يقبل اللبس على أن مسار العدالة الانتقالية شامل، يطال جميع الجرائم المرتكبة خلال السنوات الماضية في سوريا بغض النظر عن هوية مرتكبها، ويهدف إلى تنظيم آليات كشف الحقيقة، و جبر ضرر جميع الضحايا، وإصلاح مؤسسات الدولة، وضمان عدم تكرار ما سبق. وعليه، ينبغي أن يستبعد هذا القانون أي لغة تفيد في تحديد طرف من أطراف النزاع دون غيره، أو يفسح المجال أمام الحاجة مجدداً لإيجاد تفسيرات ملتوية لمضمون النص بهدف توسيع انطباقه على الجميع.
وينبغي أيضاً الابتعاد عن أي صياغات فضفاضة أو مبهمة قد تجعل تطبيق القانون عرضة لتأويلات متباينة وتخلق إشكاليات تنفيذية. ويزداد ذلك أهمية في المواد المتعلقة بالجرائم وأنماط المسؤولية الجنائية، لا سيما وأن القانون السوري لا يُجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، ولا يُحمل القائد المسؤولية الجنائية عن أفعال مرؤوسيه في حال ارتكبوا هذه الجرائم ولم يقم بمنعهم أو محاسبتهم. وبالتالي، فإن القانون الجديد سيُدخل أفعالاً وأنماطاً للمسؤولية الجنائية تُجرَّم للمرة الأولى في سوريا دون وجود سوابق تفسيرية أو اجتهاد قضائي محلي بشأنها. لذلك، كلما كانت النصوص واضحة ومستندة إلى معايير ونصوص القانون الدولي، زادت إمكانية الاعتماد على خبرات المحاكم الدولية والأجنبية في تفسيرها وتطبيقها.
كما يجب أن يكفل القانون استقلالاً حقيقياً للأجهزة المكلفة بتطبيقه وحمايتها من أي تأثير أو تدخل في عملها، وذلك من خلال أسس واضحة لتشكيل هذه الأجهزة، وآليات تعيين القائمين عليها، وضمان تنوع خبراتهم وخلفياتهم، وتوفير إشراف مستقل على أعمالهم، إضافة إلى حمايتهم من الترهيب أو الضغوط الأمنية والسياسية.
إن ملف العدالة الانتقالية في سوريا لا يحتمل الاحتماء خلف نصوص مبهمة وتفسيرات معقدة، فإنصاف الضحايا والاعتراف بما تعرضوا له على يد مختلف الأطراف يحتاج إلى قرارات شجاعة ونصوص قانونية حاسمة بعيدة عن المراوغات السياسية.



